للمرة الأولى منذ تأسيس آلية الأمم المتحدة الخاصة برصد العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة، تجد إسرائيل نفسها إلى جانب دول وجماعات ارتبطت أسماؤها بارتكاب واحدة من أبشع الجرائم في القانون الدولي الإنساني.
فبعد أكثر من عامين من الحرب المدمرة على قطاع غزة، لم تعد الاتهامات الموجهة إلى الاحتلال تقتصر على القتل الجماعي والتجويع والتدمير واسع النطاق، بل امتدت إلى ملف شديد الحساسية يتعلق بالعنف الجنسي ضد المعتقلين الفلسطينيين.
إدراج إسرائيل على "القائمة السوداء" للأمم المتحدة الخاصة بمرتكبي أنماط العنف الجنسي في مناطق النزاع لم يكن قراراً سياسياً عابراً، بل جاء نتيجة مسار طويل من الرصد والتوثيق والتحقق قادته آليات أممية مختصة. ويعد هذا التطور من أبرز التداعيات القانونية والسياسية للحرب على غزة، التي ساهمت في كشف ممارسات الاحتلال أمام المجتمع الدولي بصورة غير مسبوقة.
ما هي القائمة السوداء؟
تعود جذور هذه القائمة إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1960 الصادر عام 2010، والذي ألزم الأمين العام للأمم المتحدة بإعداد ملحق سنوي يضم أسماء الدول والجماعات المسلحة المتورطة في ارتكاب أنماط من العنف الجنسي خلال النزاعات المسلحة.
ومنذ عام 2011، أصبحت هذه القائمة جزءاً ثابتاً من التقرير السنوي للأمين العام بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، وتُعد إحدى أكثر آليات الأمم المتحدة حساسية، نظراً لما يترتب على الإدراج فيها من تبعات سياسية وقانونية وأخلاقية.
ولا يتم إدراج أي طرف بناءً على ادعاءات أو حوادث فردية، بل بعد التحقق من وجود "نمط" متكرر من الانتهاكات، وهو مصطلح قانوني أممي يعني وجود وقائع متعددة ومترابطة زمانياً ومكانياً، تشير إلى ممارسة ممنهجة أو متكررة وليست حالات معزولة.
كيف أُدرجت إسرائيل على القائمة؟
بحسب التقرير الأممي لعام 2026، استند قرار الإدراج إلى معلومات وصفتها الأمم المتحدة بأنها "موثوقة"، تتعلق بوجود أنماط من العنف الجنسي ضد معتقلين وأسرى فلسطينيين.
وأشارت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات، باميلا باتن، إلى أن الأمم المتحدة تمكنت من التحقق من عشرات الحالات التي تعرض فيها فلسطينيون لانتهاكات ذات طابع جنسي في سياق الاعتقال والاحتجاز والعمليات العسكرية.
وشملت الحالات التي جرى توثيقها رجالاً ونساءً وأطفالاً، ووردت فيها شهادات حول الاغتصاب ومحاولات الاغتصاب والاعتداءات على الأعضاء التناسلية والتعرية القسرية والتفتيش المهين والتهديدات الجنسية وغيرها من الانتهاكات التي يصنفها القانون الدولي ضمن جرائم العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات.
كما أشار التقرير إلى أن القيود التي فرضتها السلطات الإسرائيلية على دخول فرق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز أعاقت الوصول الكامل إلى الضحايا، ما يعني أن الحالات التي تم التحقق منها قد لا تعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات.
لماذا يُعد الإدراج خطيراً؟
تكمن خطورة القرار في أنه يمثل إدانة أممية رسمية تستند إلى آليات تحقيق وتوثيق دولية. كما أنه يضع إسرائيل للمرة الأولى ضمن سجل دول وجماعات سبق أن اتُهمت بارتكاب جرائم جنسية خلال النزاعات المسلحة، من بينها السودان وميانمار وجنوب السودان والكونغو الديمقراطية، إضافة إلى جماعات مثل داعش وبوكو حرام وطالبان.
ورغم أن الإدراج لا يعني صدور حكم قضائي نهائي، فإنه يوفر أساساً مهماً يمكن الاستناد إليه في مسارات المساءلة الدولية، سواء أمام الهيئات الأممية أو المؤسسات القضائية الدولية.
كما يزيد من الضغوط السياسية والدبلوماسية على إسرائيل، ويفتح الباب أمام مطالبات دولية بإجراء تحقيقات مستقلة واتخاذ إجراءات لمنع تكرار هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
حرب غزة.. نقطة تحول في صورة إسرائيل
على مدار عقود، نجحت إسرائيل في تقديم نفسها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي باعتبارها دولة تحترم القانون والمؤسسات. لكن الحرب على غزة أدت إلى تآكل غير مسبوق لهذه الصورة.
فالتقارير الأممية والحقوقية المتلاحقة بشأن استهداف المدنيين، وتدمير البنية التحتية، والحصار والتجويع، دفعت العديد من المنظمات الدولية إلى توجيه انتقادات حادة للاحتلال.
وجاء ملف العنف الجنسي ليضيف بعداً جديداً لهذه الانتقادات، خصوصاً أن الجرائم الجنسية تعد من أكثر الانتهاكات إثارة للرفض والإدانة في القانون الدولي، نظراً لما تتركه من آثار جسدية ونفسية طويلة الأمد على الضحايا.
ويرى مراقبون أن إدراج إسرائيل على هذه القائمة يمثل دليلاً إضافياً على أن الحرب لم تعد تُناقش فقط باعتبارها نزاعاً عسكرياً، بل باعتبارها ساحة لاتهامات متزايدة بارتكاب انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
موقف حماس
رحبت حركة حماس بإدراج إسرائيل على القائمة السوداء، واعتبرت الخطوة اعترافاً أممياً جديداً بالانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية.
وقالت الحركة إن القرار يستند إلى أدلة وشهادات موثقة جرى التحقق منها عبر آليات الأمم المتحدة المختصة، معتبرة أنه يمثل محطة مهمة في طريق محاسبة قادة الاحتلال أمام العدالة الدولية.
ودعت حماس الأمم المتحدة إلى عدم الاكتفاء بالتوثيق والإدانة، بل الانتقال إلى خطوات عملية تضمن مساءلة المسؤولين عن هذه الجرائم، وتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب.
ماذا تقول المؤسسات الحقوقية؟
منذ اندلاع الحرب، وثقت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية شهادات متزايدة حول تعرض معتقلين فلسطينيين لانتهاكات جسدية ونفسية وجنسية داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية.
ورأت هذه المؤسسات أن قرار الأمم المتحدة يعكس جدية الأدلة المتراكمة خلال الأشهر الماضية، ويؤكد أن ما جرى لم يعد مجرد روايات فردية أو اتهامات سياسية، بل أصبح جزءاً من ملف دولي يخضع للرصد والتحقيق.
كما طالبت المؤسسات الحقوقية بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة، وضمان وصول لجان الأمم المتحدة إلى أماكن الاحتجاز كافة، وتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة والحصول على الحماية القانونية اللازمة.
ولا يعني إدراج إسرائيل على القائمة السوداء انتهاء المسار، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من الضغوط الدولية. فالأمم المتحدة تعتمد في تقييمها على التراكم السنوي للانتهاكات، ما يجعل استمرار وجود إسرائيل على القائمة أو توسيع نطاق الاتهامات مستقبلاً مرتبطاً بما ستكشفه التحقيقات والتقارير المقبلة.
لكن المؤكد أن هذا القرار يمثل واحدة من أقسى الضربات المعنوية والسياسية التي تلقتها إسرائيل في المؤسسات الدولية منذ بدء الحرب على غزة، ويعكس تحولاً متزايداً في تعامل المجتمع الدولي مع الانتهاكات المزعومة ضد الفلسطينيين، خصوصاً في ملف المعتقلين والأسرى الذي ظل لسنوات بعيداً عن دائرة الاهتمام الدولي الواسع.