قائمة الموقع

دراسة توثيقية لمجلة أمريكية حول تاريخ اعتراضات البحرية (الإسرائيلية)

2026-06-02T17:12:00+03:00
سلاح البحرية للاحتلال يقتحم سفن كسر الحصار عن قطاع غزة
الرسالة نت- واشنطن

تحولت المساحات المائية لشرق البحر الأبيض المتوسط خلال الأعوام الأخيرة إلى ميدان مواجهة ساخن ومستمر بين ناشطين دوليين يسعون لكسر الحصار عن قطاع غزة عبر البحر، وبين سلاح البحرية الإسرائيلي الذي يبذل كل جهوده لاعتراض هذه المحاولات ومنعها من الوصول.

وفي هذا السياق، أفردت مجلة "ذي نيويورك ريفيو أوف بوكس" مساحة واسعة لمقال تحليلي بقلم الكاتب بايبر فرينتش، استعرض فيه مسيرة حراك أساطيل الحرية الرامية لإنهاء الحصار البحري المفروض على غزة، متناولاً مواقف العواصم التي تنادي بضرورة صون مبادئ القانون الدولي أمام الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لهذه القواعد. وأوضح الكاتب أن العرف المعمول به في القانون البحري يلزم أي سفينة قريبة بتقديم العون الفوري لأي قارب يطلق نداء استغاثة في عرض البحر، غير أنه في يوم الاثنين الموافق 18 مايو/أيار، بدأت مجموعة تضم قرابة خمسين قارباً في المياه الإقليمية الدولية بإرسال نداءات طوارئ لاسلكية دون أن تلقى أي استجابة تذكر.

ولم تحرك قبرص، وهي الدولة الأقرب جغرافياً والمسؤولة قانونياً عن سلامة تلك المياه، ساكناً لإنقاذهم. وفي غضون وقت قصير، اقتحمت مجموعات مسلحة متن القوارب وسيطرت على ركابها واقتادتهم إلى سفن مخصصة للاحتجاز، حيث روى الناشطون لاحقاً تفاصيل مروعة عن تعرضهم للضرب المبرح، والصعق الكهربائي، وإطلاق الأعيرة المطاطية والقنابل الصوتية، فضلاً عن الممارسات المهينة والتحرش الجنسي، وإجبارهم على البقاء في وضعيات جسدية مؤلمة لساعات طوال.

وبين فرينتش أن تلك السفن لم تخترق أي حدود بحرية محظورة ولم تبدر منها أي سلوكيات هجومية، بل كانت تبحر في ممرات مائية معتادة تعبرها السفن التجارية واليخوت السياحية بانتظام، معتبراً أن ممارسة هذا المستوى من العنف لا يمكن تفسيره إلا بكون هذه القوارب كانت تقترب من مرحلتها الأخيرة نحو شواطئ غزة، مدفوعة بالأمل في كسر الطوق الإسرائيلي وإدخال إمدادات إنسانية للقطاع المحاصر قبل أن تعترضها بحرية الاحتلال.

وتطرق الكاتب إلى السلوك الصادر عن وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، الذي نشر مقطعاً مصوراً يظهر فيه وهو يوجه عبارات ساخرة ومهينة لناشطي الأسطول المحتجزين ويهتف في وجوههم: "أهلاً بكم في إسرائيل، نحن أصحاب هذه الأرض!"، في وقت أُجبر فيه عشرات المعتقلين على السجود على الأرض. وبحلول الثاني والعشرين من مايو/أيار، جرى إخلاء سبيل كافة المحتجزين البالغ عددهم 430 شخصاً، حيث أدلى كثير منهم بشهادات توثق عمليات التنكيل والاعتداء الجسدي. وضمن هذه الشهادات، وصف الإعلامي الأمريكي أليكس كولستون، الذي وثق تفاصيل الرحلة والاعتقال لصالح منصة "زيتيو"، كيف قام أحد الحراس بانتزاع القيود الحديدية من يده بعنف مفرط مما تسبب في فقدانه للوعي جراء الألم الشديد، كاشفاً عن توثيق ما لا يقل عن خمس عشرة حالة اعتداء جنسي.

وأشار فرينتش إلى أن حركة "أسطول الحرية" سيرت على مدار السنوات الفائتة عشرات القوافل البحرية لاختراق الطوق الذي يعزل الفلسطينيين عن العالم الخارجي. وفي هذا الإطار، تؤكد المحامية الفلسطينية الأمريكية هويدا عراف، والتي كانت من رواد هذا التحرك عام 2008، أن هذا الحراك يتجاوز الأثر الرمزي؛ حيث ذكرت في مقابلة مع الكاتب جرت في 16 مايو/أيار: "نعلم تماماً أن قواربنا المتواضعة لن تملك القدرة الاستيعابية لنقل كافة المساعدات التي يحتاجها أهالي غزة، لكن جوهر هدفنا كان دوماً يتمثل في تحدي ومجابهة هذا الحصار غير القانوني عبر آلية العمل المباشر".

ولفت فرينتش إلى أن التحرك ينطوي كذلك على دلالة رمزية بالغة الأهمية؛ فالمنظمات الحقوقية دأبت على وصف غزة بأنها سجن جماعي مفتوح، وكما هو الحال في السجون التقليدية، يميل المتابعون الخارجيون لافتراض أن المآسي والفظائع المرتكبة بحق السكان تحدث في فضاء موازٍ معزول لا يتقاطع مع عالمنا اليومي.

واستطرد الكاتب قائلاً إن التوجه إلى غزة عبر البحر يمثل تأكيداً راسخاً على أنها جزء لا يتجزأ من الإنسانية، وتتمركز على شاطئ قريب في الجنوب الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وهو ساحة يمكن الوصول إليها، بل وقد نجح في بلوغها بالفعل عدد من الناشطين الذين أبحرو ضمن أساطيل متواضعة. ونوه إلى أن الأسطول في نهاية المطاف لا يبدو متجانساً أو فخماً، فبعض قواربه صغيرة جداً وبعضها الآخر يفتقر لشروط الإبحار الآمن، ويعمد المتطوعون إلى تزيين هياكل السفن وأشرعتها برسومات وكلمات معبرة؛ كأعلام فلسطين، وملامح وجوه الأطفال، وشعارات تدعو للسلام.

وأضاف أن التجهيز للأسطول الأخير تم في أجواء مشحونة بتصعيد ميداني وقانوني لافت من قبل إسرائيل منذ إعلانها التهدئة مع حماس في أكتوبر الماضي، وسط استمرار القصف الإسرائيلي المتقطع على القطاع واعتداءات المستوطنين المتواصلة بحق المواطنين في الضفة الغربية.

واستشهد الكاتب بمقال نشرته مجلة "لندن ريفيو أوف بوكس" حول سياسة الاغتيالات الإسرائيلية الخارجية، حيث اقتبس فيه أندرو كوكبيرن عن مستشار قانوني عسكري إسرائيلي بارز قوله في عام 2009 عقب الحرب البرية على غزة المسماة "عملية الرصاص المسكوب": "إذا مارست فعلاً ما لفترة زمنية كافية، فإن المجتمع الدولي سيتقبله في نهاية المطاف".

وفي غزة، وعبر عموم المنطقة، وصولاً إلى مياه البحر الأبيض المتوسط، تواصل إسرائيل اختبار المدى الذي يمكنها بلوغه في انتهاك المعاهدات والتشريعات الدولية التي تنظم الاستخدام المشترك لليابسة والبحار، ومعرفة مدى قدرتها على تعميم "نموذج غزة" قبل أن تتدخل القوى الخارجية أو المنظمات الدولية.

ومن هنا، فإن ناشطي أسطول الحرية، وعبر وضع أجسادهم تحت رحمة آلة القمع الإسرائيلية، يضعون تلك الدول والمؤسسات الدولية أمام تحدٍ موازٍ، عبر ممارسة الضغوط على حكوماتهم للتمسك بمبادئ القانون الدولي التي تضرب بها إسرائيل عرض الحائط وبتحدٍ سافر.

ويرى فرينتش أن مياه المتوسط تحولت إلى مسرح وميدان يجسد هذين المسعيين المتناقضين بوضوح حول كيفية تعاطي المنظومة الدولية مع حرب الإبادة الجماعية المتواصلة في غزة.

وتطرق الكاتب إلى البدايات الأولى لولادة فكرة أساطيل الحرية؛ فخلال عملها الميداني بالضفة الغربية في مطلع الألفية الثانية وهي في العشرينيات من عمرها، تملك الإحباط هويدا عراف جراء غياب أي آليات فعلية لإنصاف الفلسطينيين وحمايتهم من القمع، وقالت للكاتب: "حين ينكفئ الناس عن الاحتجاج، تستمر الانتهاكات وتصادر الأراضي ويعتقل المواطنون وتهدم البيوت، وإذا ما حاولوا التظاهر والاحتجاج يواجهون بالرصاص الحي والاعتقال والتنكيل دون أي محاسبة للمعتدي"، وهو ما دفع عراف برفقة عدد من زملائها لتأسيس حركة التضامن الدولية.

وتابعت: "وجهنا نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي للوقوف مع الشعب الفلسطيني في حراكه". وكان الرهان قائماً على أن وجود مراقبين دوليين قد يكبح جماح العنف، غير أن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين بدأوا باستهداف الشهود أنفسهم وقتلهم وتشويههم، وهو ما تجسد في حادثة سحق المتطوعة الأمريكية الشابة راشيل كوري تحت مجنزرات جرافة عسكرية إسرائيلية حتى الموت، تلا ذلك إقدام السلطات الإسرائيلية على طرد الناشطين الدوليين من القطاع.

ولفت التقرير إلى أنه عقب فوز حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006، فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً على القطاع، وراقبت حركة التضامن خطوات الاحتلال في تشييد هذا الجدار. وقالت عراف: "لم تكن الرسائل أو المسيرات أو الاحتجاجات كافية لردع هذه السياسة التي تمثل عقاباً جماعياً غير قانوني بشكل صارخ".

وفي أغسطس 2008، قادت عراف مع ثلة من المتطوعين تحت لواء "حركة غزة الحرة" قاربي صيد صغيرين، لم يحملا سوى الركاب وبعض البالونات وصندوقاً يحوي سماعات طبية، متوجهين صوب القطاع. وخلافاً للتوقعات، نجحت المحاولة وحطت السفن على الشواطئ الفلسطينية كأول سفن تصل غزة دون المرور عبر الموانئ الإسرائيلية منذ عام 1967، وتدفق الأهالي للميناء لاستقبالهم، حيث وصفت عراف تلك اللحظات بأنها "الأجمل في حياتها".

وأردف الكاتب أنه عقب شق إسرائيل لعملية الرصاص المسكوب في ديسمبر 2008، والتي أسفرت عن تدمير ما يزيد عن عشرة آلاف منزل واستخدام الفوسفور الأبيض ضد المدنيين، عدل الاحتلال من استراتيجيته البحرية؛ حيث بدأ بمهاجمة القوارب وصدمها والاستيلاء عليها واعتقال ركابها، مما دفع عراف وزملائها لتطوير الحراك عبر التنسيق مع هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH) لتشكيل أول أسطول حرية علني: قافلة تظم ست سفن (ثلاث للشحن وثلاث لنقل الركاب) حملت نحو 10 آلاف طن من المواد الإغاثية، تتقدمها السفينة التركية الشهيرة "مافي مرمرة".

وأشار إلى أنه عقب تلك المجازر البحرية، ترسخ نمط ثابت ومكرر؛ تقترب السفن من شواطئ غزة لمسافة محددة، فيتم اعتراضها عسكرياً واحتجاز من على متنها ومعاملتهم بقسوة قبل ترحيلهم لبلدانهم. كما ساهمت دول أخرى في تقييد حركة الأساطيل؛ إذ منعت اليونان وتركيا في فترات متباينة السفن من مغادرة موانئها.

وفي الأعوام الأخيرة، تراجعت وتيرة هذه الحملات نتيجة للعقبات اللوجستية وتراجع الاهتمام الدولي بالملف، غير أنه بعد أحداث السابع من أكتوبر، وتشديد إسرائيل الخانق لمنع دخول المساعدات واستهداف الطواقم الإغاثية بمعدلات غير مسبوقة، دبت الحياة مجدداً في عروق الحراك الإنساني.

وأوضح فرينتش أن التواطؤ والسلبيّة من قبل الإدارات الأمريكية والحكومات الأوروبية والمؤسسات الدولية شكل غطاءً سمح لإسرائيل بممارسة العنف ضد الناشطين، والذين تعرضوا للاعتقال والإهانة والتحرش الجنسي في الخريف الفائت، غير أن القوات الإسرائيلية تبنت هذه المرة مستويات غير مسبوقة من "العنف المفرط". ومع أن هذه الممارسات أحدثت ضجة إعلامية واسعة وردود فعل غاضبة دولياً - حيث وصفت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التعامل مع الناشطين بأنه "غير مقبول"، وأشار وزير خارجيتها بوجود مباحثات لفرض عقوبات على بن غفير - إلا أن القضية في الولايات المتحدة لم تنل سوى اهتمام هامشي ولم تثر أي استهجان عام، في وقت أصدر فيه البيت الأبيض تحت إدارة ترامب بياناً يهاجم فيه الأسطول ويصفه بأنه "داعم لحركة حماس".

وعقد الكاتب مقارنة بين حراك فك الحصار وعمليات الإنقاذ البحرية للمهاجرين الساعين لبلوغ الشواطئ الأوروبية؛ فخلال السنوات الثلاث عشرة الفاصلة بين تدشين الأسطول وأحداث أكتوبر، غدا المتوسط مسرحاً لنمط آخر من العبور المثير للجدل، حيث تسلك أساطيل الحرية مساراً مشابهاً ولكن بالاتجاه المعاكس لمسارات قوارب المهاجرين الذين يتدفقون بالمئات طلباً للأمان ويلقون حتفهم غرقاً بانتظام.

واعتبر فرينتش أن الانخراط في هذه الأعمال التضامنية - سواء لصالح الفلسطينيين أو المهاجرين أو طالبي اللجوء المتوجهين لأمريكا - يجرد الناشطين من الحصانة التي تمنحها لهم جوازات سفرهم الغربية أو ألوان بشرتهم، بل إن دولاً أوروبية كفرنسا وبولندا واليونان عمدت لملاحقة متطوعي الإغاثة بتهم جاهزة مثل "تهريب البشر" أو "تسهيل الهجرة غير النظامية".

ومع تأهب أسطول الإنقاذ البحري للإقلاع مطلع العام الجاري، بالتزامن مع اشتعال المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تصاعدت حدة التقييمات النقدية للحراك.

إذ أبدى بعض الفلسطينيين شعوراً بأن الرحلات السابقة ركزت الضوء على الناشطين أنفسهم بشكل أكبر من التركيز على مأساة الإبادة الجماعية الجارية في غزة.

وفي نيسان/أبريل الفائت، وخلال كلمة لها في ملتقى صمود ببروكسل، تساءلت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، فرانشيسكا ألبانيز - والتي تحظى باحترام واسع لوضوح مواقفها الأخلاقية - قائلة إن "الأداء الاستعراضي وحده لم يعد كافياً"، معتبرة أنه قد يكون من الأجدى للناشطين في الغرب تركيز جهودهم لمنع شحنات الأسلحة من مغادرة الموانئ الغربية نحو إسرائيل.

وعندما وجه الكاتب سؤالاً لهويدا عراف حول دوافعها للعودة لمتن هذه السفن مجدداً بعد الفظائع التي شهدتها عام 2010، أجابت باقتضاب: "لطالما امتلكت هذا الرفض العنيد للاستسلام لسياسة الأمر الواقع والعنف".

 

اخبار ذات صلة