لم يكن محمود الزربة يتخيل أن دقائق معدودة ستفصل بين حياته التي عرفها لسنوات وبين واقع جديد يعيشه اليوم في خيمة نزوح بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة.
خرج كما يخرج آلاف الفلسطينيين بحثًا عن النجاة وسط الحرب، لكنه عاد محمولًا على الألم، فاقدًا بصره وساقه اليمنى، ومثقلًا بإصابات سترافقه ما بقي من العمر.
يروي الزربة أن قذيفة سقطت على مجموعة من النازحين كانوا يقفون معًا، فحوّلت المكان إلى ساحة من الدماء والركام. في لحظات قليلة فقد القدرة على الرؤية، وشعر بأن جسده لم يعد كما كان.
لم يكن يعرف حجم الكارثة التي حلّت به إلا بعد نقله للعلاج، حيث أخبره الأطباء أن ساقه اليمنى بُترت، وأن عينيه أصيبتا إصابات بالغة أفقدته البصر.
وسط الصدمة، اكتشف محمود أن خمسة من رفاقه الذين كانوا إلى جواره استشهدوا في القصف ذاته، بينما سقط أحد أصدقائه فوق جسده بعد استشهاده مباشرة.
يقول إن أصوات الانفجار وصرخات الجرحى ما زالت تلاحقه حتى اليوم، وإنه لا يستطيع نسيان تلك اللحظات التي بدّلت حياته إلى الأبد.
ولم تتوقف معاناته عند فقدان الساق والبصر، فقد أصيب بشظايا في أنحاء متفرقة من جسده، كما فقد أحد أصابع يده اليسرى وتضرر إصبع آخر، وأصبح عاجزًا عن القيام بأبسط الأعمال التي كان يؤديها يوميًا دون تفكير.
اليوم يعيش محمود مع أسرته في خيمة نزوح مهترئة بمدينة دير البلح. الخيمة التي كان يفترض أن تكون ملاذًا مؤقتًا أصبحت عالمه الكامل. هناك يقضي أيامه بين الألم والانتظار، بينما تتولى زوجته سوزان الزربة مسؤولية الأسرة بأكملها.
تقول زوجته إن الحرب لم تكتفِ بإصابة زوجها، بل حمّلتها مسؤوليات مضاعفة. فهي تخرج يوميًا بحثًا عن الماء والطعام، وتقف في طوابير المساعدات، وتعتني بالأطفال، وترافق زوجها في رحلات العلاج، وتحاول في الوقت نفسه التخفيف من وطأة ما يعيشه من فقدان وإعاقة.
كان محمود قبل إصابته المعيل الرئيسي لعائلته، يعمل ويوفر احتياجات أسرته رغم الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع. أما اليوم فأصبح بحاجة إلى من يساعده على الحركة وقضاء شؤونه اليومية، بعدما فقد القدرة على الاعتماد على نفسه كما كان يفعل سابقًا.
ويؤكد الزربة أن أكبر أحلامه الآن هو الحصول على فرصة للعلاج خارج غزة، آملاً في إجراء عمليات متخصصة قد تساعده على استعادة جزء من بصره أو تحسين حالته الصحية. كما يحتاج إلى طرف صناعي وإلى برنامج تأهيل طبي طويل، في وقت يعاني فيه القطاع من انهيار واسع في الخدمات الصحية ونقص حاد في المستلزمات الطبية.
داخل خيمته المتواضعة، يجلس محمود بين أطفاله محاولًا التمسك بالأمل رغم كل شيء. لم يعد يرى وجوههم، لكنه يحفظ أصواتهم جيدًا. يسمع خطواتهم وهم يتحركون حوله، ويستدل على وجودهم بضحكاتهم وهمساتهم.
محمود الزربة.. سرق القصف بصره وساقه وتركه يصارع العتمة في خيمة نزوح
الرسالة نت-خاص