٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

دراسة علمية  تكشف الحقيقة الفيزيائية لظاهرة "تبخر جثامين الشهداء" في قطاع غزة

الرسالة نت - متابعة

 أصدر المرصد المدني لإدارة المخاطر المجتمعية في فلسطين دراسة علمية وجنائية هي الأولى من نوعها، لفك غموض الظاهرة التي عُرفت شعبيًا وإعلاميًا بـ "تبخر الجثامين" في مواقع القصف الجوي المكثف بقطاع غزة. وحملت الدراسة عنوان: "تبخر الجثامين: التحليل الفيزيائي والجنائي لحالات التذرير الشامل (التلاشي الشديد) للجثامين في مواقع القصف الجوي المكثف بقطاع غزة".

​وجاءت هذه الدراسة استجابةً لتقارير ميدانية صادرة عن جهاز الدفاع المدني والجهات الحقوقية، توثق اختفاءً كاملاً وفورياً لأجساد آلاف الشهداء في مراكز القصف المباشر، دون ترك أي أثر مادي مرئي كالعظام أو الأشلاء، وفي ظل حرمان قطاع غزة من المختبرات المتقدمة لفحص الحمض النووي (DNA).

​أكد الفريق البحثي متعدد التخصصات الذي أعد الدراسة، أن مصطلح "التبخر" هو تعبير مجازي لوصف هول المشهد، أما من الناحية الفيزيائية والبيولوجية، فإن الأجساد في "منطقة الصفر" (مركز الانفجار المباشر) تخضع لعمليتين متزامنتين ومدمرتين تحدثان في أجزاء من الملي ثانية:

• ​التحلل الحراري الفوري (Flash Pyrolysis): تحول فجائي لسوائل وأنسجة الجسم الحيوية إلى غازات وبخار مضغوط تحت تأثير حرارة صاعقة.

• ​التذرير الشامل (Total Atomization): تفتيت كامل للعظام والأنسجة الصلبة وتحويلها إلى جزيئات غبارية مجهرية بفعل قوة ضغط الموجة الصدمية العنيفة.

​ركزت النمذجة الرياضية والفيزيائية في الدراسة على عائلة القنابل الجوية الأمريكية الثقيلة (Mark 80)، ولا سيما القنبلة الشهيرة (MK84) التي تزن حوالي 2000 رطل (طن تقريباً)، والتي استُخدمت بكثافة غير مسبوقة في المناطق السكنية بقطاع غزة.

​وكشفت الدراسة أن هذه القنابل، وخاصة النسخ المعدلة منها بحشوات فراغية وحرارية مثل (AFX-757) أو المخلوطة بمسحوق الألومنيوم، تؤدي إلى نتائج غير تقليدية:

• ​حرارة تفوق صهر الحديد: تتسبب إضافة بودرة الألومنيوم في رفع درجة حرارة مركز الانفجار إلى أكثر من 3000 درجة مئوية (علمًا بأن الفولاذ ينصهر عند 1500 درجة مئوية)، مع إطالة زمن الموجة الحرارية.

• ​الضغط الساحق: تولد هذه القنابل موجة ضغط صدمي تتجاوز قدرة النسيج البشري والعظمي على التماسك بمئات المرات.

​ميكانيكية تدمير الجسد: كيف يختفي الإنسان؟

​شرح التقرير الجنائي الميكانيكية التي يتعرض لها الجسم البشري في نقطة الصفر عبر مستويين:

• ​ميكانيكيًا (الصدمة الهيدروليكية): يتكون جسم الإنسان من حوالي 70% من المياه. عند اصطدام موجة الضغط العنيفة بالجسم، تنتقل الطاقة عبر السوائل مسببة انفجارًا خلويًا ممزقًا للأوعية والأعضاء وتحويلها إلى مادة هلامية متناثرة مجهرياً.

• ​حراريًا (التحول الطوري الفجائي): عند التعرض الفوري لدرجة حرارة 3000 مئوية، تتحول مياه الجسم فورًا من الحالة السائلة إلى الغازية (بخار)، مما يؤدي إلى تمدد حجم السوائل بمقدار 1600 مرة في لحظة واحدة، فينفجر الجسم حرفياً من الداخل إلى الخارج، وتتفكك الروابط الكيميائية للبروتينات والدهون تماماً لتتحول إلى مركبات كربونية بسيطة (رماد).

​أشارت الدراسة إلى أن استخدام المتفجرات الفراغية والحرارية الحديثة يؤدي إلى استهلاك الأكسجين بالكامل وتوليد ضغط سلبي عنيف يتبعه موجة حرارية ممتدة. هذه البيئة الانفجارية تحرق الكتلة الحيوية للجسم تماماً وتحولها إلى رماد ناعم جداً وغبار مجهري.

​هذا الرماد يتداخل ويندمج بشكل كلي مع الغبار الناتج عن تفتت المباني الخرسانية وركام الإسمنت والتراب في موقع القصف، مما يفسر عدم قدرة فرق الإنقاذ على العثور على أي أشلاء متماسكة أو عينات صالحة لإجراء فحوصات الهوية التقليدية أو فحص الـ DNA.

وتشير الورقة إلى أن هذه الظاهرة تفرض تحديات كبيرة أمام الطب الشرعي في غزة، إذ قد لا يتم العثور على جثامين أو أجزاء قابلة للفحص، ما يدفع الجهات المختصة إلى الاعتماد على:

بقايا رماد مختلط بالركام.

آثار كيميائية دقيقة في التربة.

شهادات ميدانية وتوثيق لحظة الاستهداف.

انعكاسات إنسانية وقانونية

وترى الدراسة أن هذا النمط من التدمير يخلق حالة معقدة على المستويين الإنساني والقانوني، خصوصاً في ظل غياب الأدلة المادية التقليدية التي تعتمد عليها عمليات التوثيق الجنائي وإصدار شهادات الوفاة.

وتدعو إلى تطوير بروتوكولات خاصة للتعامل مع حالات “الفقد الجسدي الكامل”، بما يضمن حفظ الحقوق القانونية لعائلات الضحايا.

​وختم المرصد المدني لإدارة المخاطر المجتمعية الدراسة بمجموعة من التوصيات العاجلة، داعياً المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والحقوقيةتشكيل لجنة تحقيق دولية من خبراء الفيزياء والجنايات العسكرية لمعاينة مواقع القصف وتوثيق استخدام الأسلحة الحرارية والفراغية ضد المدنيين.

وطالب بالضغط لحظر استخدام قنابل الطن الثقيلة (MK84) وحشوات (AFX) في المناطق المأهولة بالسكان لمخالفتها الصارخة للقانون الدولي الإنساني.

ودعا إلى تزويد قطاع غزة تقنياً بمختبرات متنقلة وأجهزة فحص متطورة قادرة على التعامل مع الآثار الجنائية المعقدة في بيئات النزاع عالية التدمير.

بث مباشر