☰
✕

قائمة الموقع

الحاجة فاطمة رباح عبيد.. شاهدة على نكبتين

2026-06-01T13:17:00+03:00
الرسالة نت-خاص

 لم تكن الحاجة فاطمة رباح عبيد تظن أن العمر سيمتد بها حتى ترى ما يشبه الأيام التي ظنت أنها دفنتها في ذاكرتها قبل عقود طويلة. فمنذ أن كانت طفلة صغيرة تعيش أهوال النكبة الفلسطينية عام 1948، وهي تحمل صور التهجير والخوف والفقدان، لكن الحرب الأخيرة على غزة أعادت تلك الصور إلى حياتها من جديد، وكأن الزمن عاد إلى الوراء.
تجلس الحاجة فاطمة، التي يصل عمرها الى ٩٥ عاما وقد حفرت السنوات الطويلة آثارها على وجهها، تسترجع ذكريات الطفولة التي لم تغادرها قط. تتحدث عن القرى التي هُجّر أهلها، وعن العائلات التي افترشت الطرقات بحثاً عن مأوى، وعن الخوف الذي كان يرافق الأطفال في رحلة النزوح الأولى. كانت تعتقد أن تلك المشاهد أصبحت جزءاً من الماضي، وأن الأجيال الجديدة ستسمع عنها فقط في الحكايات.
لكن الحرب التي عصفت بقطاع غزة قلبت كل شيء. وجدت نفسها مرة أخرى تترك منزلها، وتحمل ما تستطيع حمله من حاجيات بسيطة، وتسير بين الحشود النازحة بحثاً عن مكان آمن. وبينما كانت تنظر إلى الأطفال المرهقين والوجوه الشاحبة، رأت فيهم صورتها القديمة، الطفلة التي نجت من النكبة الأولى وما زالت تحمل جراحها حتى اليوم.
تقول الحاجة فاطمة إن أصعب ما في الأمر ليس فقدان البيت فحسب، بل الشعور بأن الإنسان يُجبر مرة أخرى على توديع تفاصيل حياته الصغيرة. فالجدران التي احتضنت ذكرياته، والأحياء التي عرفها، والأماكن التي شهدت أفراحه وأحزانه، كلها أصبحت مهددة بالغياب.
وتضيف أن السنوات الطويلة علمتها الصبر، لكنها لم تتخيل أن تشهد في شيخوختها نزوحاً جديداً وحرباً جديدة. وبينما تتحدث، يبدو واضحاً أن ما يؤلمها ليس ما مرت به شخصياً فقط، بل ما تراه في عيون الأطفال الذين يعيشون اليوم التجربة نفسها التي عاشتها قبل نحو ثمانية عقود.
تمثل الحاجة فاطمة رباح عبيد نموذجاً لجيل فلسطيني حمل ذاكرة النكبة الأولى، ثم وجد نفسه شاهداً على فصل جديد من المعاناة. وبين النكبتين تمتد حياة كاملة من الصمود والانتظار، حياة تختصر قصة شعب ما زال يتمسك بأرضه وذكرياته رغم كل ما مر به من تهجير وحروب.
وفي شهادتها تختلط ذكريات الماضي بمرارة الحاضر، لتبقى كلماتها تذكيراً بأن التاريخ لا يُقرأ فقط في الكتب، بل يُحفظ أيضاً في قلوب من عاشوه، وحملوا تفاصيله معهم جيلاً بعد جيل.

اخبار ذات صلة