☰
✕

قائمة الموقع

مقال: غزة.. من التعطيل الاقتصادي إلى الافقار

2026-05-31T12:17:00+03:00
أحمد أبو قمر


تحولت الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة من مجرد نتيجة جانبية للحرب إلى أحد أبرز ملامحها، فإلى جانب الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية، تعرض الاقتصاد المحلي لضربات متلاحقة أدت إلى تآكل المدخرات وتعطل الأسواق وفقدان مئات آلاف المواطنين لمصادر دخلهم.

ومع استمرار القيود على حركة البضائع وتراجع النشاط الإنتاجي، باتت المؤشرات الاقتصادية تعكس واقعا أكثر قسوة من مجرد الركود أو الانكماش التقليدي.
وتكشف التطورات التي شهدها القطاع خلال الأشهر الماضية عن انتقال الأزمة من مرحلة التعطيل الاقتصادي إلى مرحلة الإفقار الشامل.

فإغلاق المعابر ومنع تدفق السلع والمواد الخام لفترات طويلة أدى إلى نقص حاد في المعروض داخل الأسواق، ما تسبب في موجات تضخم غير مسبوقة طالت مختلف السلع الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.

وتظهر الأرقام حجم الاختلال الذي أصاب الأسواق، فقد ارتفع سعر كيلو الطحين من نحو 3 شواكل قبل الحرب إلى أكثر من 200 شيكل خلال فترات المجاعة، أي بزيادة تجاوزت 6500%.

كما قفز سعر كيلو السكر من نحو 3 شواكل إلى أكثر من 300 شيكل في بعض المراحل، بنسبة ارتفاع فاقت الـ 8000%، ما جعل الحصول على أبسط الاحتياجات الغذائية عبئا يفوق قدرة غالبية الأسر.

وفي الظروف الطبيعية تؤدي المنافسة وتوافر السلع إلى استقرار الأسعار لكن ما حدث في غزة كان مختلفا تماما، فقد أدى اختفاء العديد من السلع الأساسية إلى انهيار آليات السوق التقليدية، وأصبح المستهلك مضطرا للشراء بأي سعر متاح خشية فقدان السلعة بشكل كامل، وهو ما عمّق الضغوط المالية على الأسر التي كانت تواجه أصلا تراجعا حادا في مستويات الدخل.

الأزمة الاقتصادية لم تقتصر على ارتفاع الأسعار فقط وإنما امتدت إلى القطاع المالي، فمع شح السيولة النقدية وصعوبة الوصول إلى الأموال المودعة في البنوك، انتشرت عمليات التكييش مقابل عمولات مرتفعة وصلت أحيانا إلى أكثر من 50% من قيمة المبلغ.

ونتيجة لذلك، فقدت آلاف العائلات جزءا كبيرا من مدخراتها في سبيل الحصول على النقد اللازم لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.

وعلى مستوى سوق العمل تبدو الصورة أكثر قتامة، فقبل الحرب كانت معدلات البطالة في قطاع غزة تدور حول 44% وهي من أعلى المعدلات عالميا، إلا أنها تتجاوز حاليا 80% نتيجة توقف معظم الأنشطة الاقتصادية وتدمير المصانع والمنشآت التجارية والأسواق. هذا الارتفاع الحاد يعني أن غالبية القوى العاملة أصبحت خارج دائرة الإنتاج، في وقت تتراجع فيه فرص إيجاد مصادر دخل بديلة.

كما أدى تدمير المنشآت الاقتصادية إلى فقدان رؤوس أموال ضخمة تراكمت على مدار سنوات طويلة، فالكثير من التجار وأصحاب المشاريع وجدوا أنفسهم أمام خسائر كاملة بعد تدمير المخازن والمحلات التجارية والأسواق، الأمر الذي أفقد الاقتصاد المحلي جزءا مهما من قدرته على التعافي السريع حتى في حال تحسن الظروف مستقبلا.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التحدي الاقتصادي في غزة لم يعد مرتبطا فقط بتوفير المساعدات الإنسانية أو إدخال السلع الأساسية، بل يتطلب معالجة أعمق تستهدف إعادة تشغيل عجلة الإنتاج واستعادة النشاط التجاري وخلق فرص عمل جديدة.

فاستمرار معدلات البطالة المرتفعة وتآكل القدرة الشرائية للسكان وتعطل عمليات الإعمار ينذر بتحول الأزمة الحالية إلى حالة طويلة الأمد من الفقر والاعتماد على المساعدات.

اخبار ذات صلة