حين خرج عبد الرحمن الكردي من السجن، لم يكن يحمل معه سوى عين واحدة. أما صلاح الحو فخرج بساق مبتورة، بينما فقد محمود أبو طعيمة إصبعاً من يده اليمنى، وعاد علاء مقداد بإعاقة سمعية سترافقه بقية حياته. قصص مختلفة، لكن روايتها تبدأ من المكان ذاته: السجون الإسرائيلية.
يقول مدير عام هيئة شؤون الأسرى في قطاع غزة حسن قنيطة إن عشرات الأسرى تعرضوا لإعاقات دائمة خلال فترة اعتقالهم نتيجة التعذيب الجسدي والإهمال الطبي المتعمد، مؤكداً أن الهيئة وثقت حالات عديدة لأسرى ما زالوا داخل المعتقلات وآخرين أفرج عنهم وهم يعانون إعاقات لا يمكن علاج آثارها بالكامل.
ويوضح قنيطة أن الأسرى المصابين بأمراض مزمنة كانوا من أكثر الفئات تضرراً، مشيراً إلى أن بعض مرضى السكري تعرضوا لمضاعفات خطيرة انتهت ببتر أطرافهم بعد حرمانهم من الرعاية الصحية والأدوية اللازمة.
ومن بين الحالات التي وثقتها الهيئة، الأسير عبد الرحمن الكردي الذي فقد إحدى عينيه أثناء فترة اعتقاله، والأسير صلاح الحو الذي تعرض لبتر في ساقه، إضافة إلى علاء مقداد الذي يعاني إعاقة سمعية، ومحمود أبو طعيمة الذي فقد إصبعاً من يده اليمنى، ومصعب مدوخ الذي أصيب بإعاقة دائمة في قدمه اليسرى.
ولا تقتصر المأساة على هذه الأسماء. فالأسير المحرر أدهم ضاهر، الذي كان قد فقد أطرافه السفلية قبل اعتقاله، روى بعد الإفراج عنه تفاصيل قاسية عن ظروف الاحتجاز، مؤكداً أنه تعرض للضرب والإهانة وهو في وضع صحي بالغ الصعوبة، كما حُرم من العلاج والمستلزمات الطبية الضرورية لفترات طويلة.
أما الأسير المحرر رافع خليل أبو هربيد، وهو مبتور القدمين، فقد تحدث عن تعرضه للعزل والتنكيل والضرب وإطلاق الكلاب البوليسية عليه، رغم إعاقته وحاجته إلى رعاية صحية خاصة.
ويؤكد قنيطة أن الإعاقات الجسدية ليست سوى جزء من المعاناة، إذ يعاني كثير من الأسرى المحررين من اضطرابات نفسية حادة نتيجة التعذيب والعزل والحرمان، فيما لا تزال أوضاع مئات الأسرى المرضى والجرحى داخل المعتقلات مجهولة إلى حد كبير.
وتشير تقديرات هيئة شؤون الأسرى إلى أن عدد الشهداء الذين قضوا داخل السجون منذ بدء الحرب تجاوز المئة أسير، بينهم أكثر من خمسين أسيراً من قطاع غزة، في ظل تصاعد الشهادات حول التعذيب والإهمال الطبي وسوء ظروف الاحتجاز.
وفي تقرير سابق، وصفت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز ما يجري داخل منظومة السجون الإسرائيلية بأنه "مختبر للوحشية المحسوبة"، محذرة من الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون.
وبين أسماء الأسرى الذين فقدوا أطرافاً أو حواساً أو أجزاءً من أجسادهم، تتشكل صورة أخرى للحرب؛ صورة لا تظهر في ساحات القتال، بل خلف الجدران والأسلاك الشائكة، حيث يخرج بعض الأسرى أحياء، لكن بأجساد مختلفة وحياة لن تعود كما كانت.