بينما كان العالم يتابع أرقام الضحايا القادمة من غزة، كان الجراح البريطاني نيك ماينارد يقف داخل غرف العمليات في مدينة غزة محاولًا إنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكنه اكتشف أن نجاح العملية الجراحية لم يعد يعني بالضرورة نجاة المريض.
يقول ماينارد، الذي عمل متطوعًا في مستشفيات القطاع عدة مرات خلال الحرب، إن المشهد الذي واجهه هذه المرة كان مختلفًا عمّا عرفه طوال أربعة عقود من العمل الطبي. فالأطفال الذين كانوا ينجون من الجراحات المعقدة لم يكونوا ينجون من الجوع.
داخل أروقة المستشفيات التي تعاني نقصًا حادًا في الغذاء والدواء والمعدات الطبية، شاهد الطبيب البريطاني أطفالًا أنهكتهم المجاعة قبل أن تصلهم الإصابات. بعضهم دخل غرف العمليات بأجساد هزيلة وعظام بارزة ووجوه شاحبة، ثم فارق الحياة بعد أيام رغم نجاح التدخل الجراحي.
يقول ماينارد إن سوء التغذية الذي رآه في غزة لا يشبه أي شيء شاهده من قبل، مضيفًا أن أجساد المرضى، وخاصة الأطفال، لم تعد قادرة على التعافي بعد العمليات بسبب النقص الحاد في الغذاء.
ولم تقتصر صدمة الجراح البريطاني على مشاهد الجوع. فخلال عمله في مستشفى ناصر، استقبل مع زملائه أعدادًا متزايدة من المصابين الذين كانوا يصلون من محيط نقاط توزيع المساعدات الغذائية. عشرات الجرحى كانوا يتدفقون إلى أقسام الطوارئ بإصابات ناتجة عن طلقات نارية، كثير منهم كانوا يبحثون عن الطعام عندما أصيبوا.
ويروي ماينارد أن أنماط الإصابات التي شاهدها كانت تتكرر بصورة لافتة، حتى باتت الطواقم الطبية تتوقع نوع الجروح قبل وصول المصابين. ويقول إن ما رآه أثار لديه تساؤلات عميقة حول الظروف التي أُصيب فيها هؤلاء المدنيون.
في غرف الحروق كانت المأساة أكثر قسوة. أطفال بأجساد متفحمة وآلام لا تهدأ، بينما تنفد المسكنات الأساسية من المستشفيات. يتذكر الطبيب البريطاني وجوه أطفال لم يتمكن من تخفيف آلامهم بالقدر الكافي بسبب نقص الأدوية، ويصف تلك المشاهد بأنها من أكثر ما سيبقى عالقًا في ذاكرته.
ويؤكد ماينارد أن الأزمة لم تعد أزمة جرحى فقط، بل أزمة نظام صحي بأكمله. فالمستشفيات التي كان يفترض أن تكون ملاذًا للمرضى أصبحت تعمل تحت ضغط هائل، وسط نقص حاد في المعدات الطبية والكوادر والأدوية.
بعد عودته إلى بريطانيا، حمل الجراح معه صورًا وقصصًا قال إنها ستلازمه طويلًا. وبينما تتواصل الحرب، يصر على أن ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل كارثة صحية يشهدها العالم لحظة بلحظة، حيث لا يموت المرضى بسبب إصاباتهم فقط، بل لأن الجوع بات شريكًا في قتلهم حتى بعد انتهاء الجراحة.