قائمة الموقع

عماد اسليم.. القائد الذي ودّع أبناءه واحدًا تلو الآخر قبل أن يلحق بهم

2026-05-29T15:09:00+03:00
الرسالة نت - خاص


لم يكن عماد اسليم مجرد قائد عسكري في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، بل كان أبًا حمل في قلبه أوجاعًا ثقيلة تراكمت خلال سنوات الحرب، قبل أن تنتهي رحلته تحت ركام شقة سكنية استُهدفت وسط مدينة غزة، ليغيب بعد أن سبقته إلى الغياب وجوه أحبها وأسماء حفظها عن ظهر قلب.

في أزقة حي الزيتون القديمة، عرفه الناس باسم "أبو حسان". هناك كبر، وهناك بدأ نشاطه التنظيمي، قبل أن يصبح أحد أبرز قادة كتائب القسام في مدينة غزة، متدرجًا في مواقع المسؤولية حتى تولى قيادة كتيبة الزيتون ثم أصبح نائبًا لقائد لواء غزة.

سنوات طويلة قضاها مطاردًا، نجا خلالها من محاولات اغتيال متكررة، وأصيب أكثر من مرة، لكنه كان يعود إلى الميدان في كل مرة. غير أن الحرب الأخيرة أخذت منه ما هو أثمن من حياته نفسها.

فقد عماد اسليم أبناءه وبناته واحدًا تلو الآخر. كانت أخبار الاستشهاد تصل إلى البيت المثقل بالحزن، فيودع فلذة من فلذات كبده ثم يعود إلى واقعه المثقل بالدمار والفقد. لم تكن خسائره أرقامًا تضاف إلى نشرات الأخبار، بل كانت أسماء وصورًا وذكريات وأحلامًا صغيرة انطفأت تحت القصف.

وقبل يومين فقط من استشهاده، عاد إلى منزله ليقضي بعض الوقت مع زوجته وبناته ويطمئن عليهن. لم يكن يعلم أن تلك الزيارة ستكون الأخيرة، وأن الشقة التي لجأ إليها في قلب مدينة غزة ستتحول بعد ساعات إلى هدف لغارة إسرائيلية أنهت حياته.

في الثامن والعشرين من أيار/مايو 2026، استهدفت غارة إسرائيلية شقة سكنية وسط مدينة غزة، فاستشهد عماد اسليم برفقة ابنته وحفيدته، كما أسفر القصف عن استشهاد سبعة مواطنين آخرين من المارة والمدنيين الذين تواجدوا في محيط المكان لحظة الاستهداف.

وسط مشاهد الدمار والفقد، وقفت شقيقته سعاد اسليم تتحدث بصوت امتزج فيه الحزن بالإصرار، قائلة: "سنقص اليد التي اعتدت على رجالنا، وإن استشهد رجل فخلفه ألف ألف ألف رجل". وأضافت أن شقيقها ربّاها على البطولة والمطالبة بالحق والإصرار والثبات، مؤكدة أنهم سيواصلون السير على النهج ذاته ولن يتراجعوا رغم حجم الخسائر التي لحقت بالعائلة.

لم يكن مشهد التشييع في غزة عاديًا. خرج المشيعون يحملون رجلاً عرفوه قائدًا ميدانيًا، لكن كثيرين تحدثوا أيضًا عن الأب الذي عاش فصولًا قاسية من الفقد قبل أن يرحل. رجلٌ ودّع أبناءه، ثم لحق بهم أخيرًا.

وتقول عائلته إن الحرب لم تترك لهم بيتًا كاملًا ولا عائلة مكتملة. فمعظم أفراد الأسرة استشهدوا خلال الشهور الماضية، لتتحول قصة عماد اسليم إلى واحدة من القصص التي تختصر ما جرى لعائلات فلسطينية كثيرة فقدت أبناءها وآباءها وأحفادها في الحرب ذاتها.

ويأتي استشهاد اسليم ضمن سلسلة من الغارات التي استهدفت مناطق مدنية في قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، في وقت تتواصل فيه الخروقات الإسرائيلية التي أسفرت، وفق معطيات محلية، عن استشهاد نحو 100 فلسطيني حتى الآن، إضافة إلى مئات الجرحى، معظمهم من المدنيين.

رحل عماد اسليم بعد سنوات من المطاردة والنجاة من الاغتيال، لكن نهايته جاءت في حرب لم تكتف باستهداف القادة، بل امتدت إلى البيوت والعائلات والأطفال. وبينما وُوري الثرى في أرض حي الزيتون الذي أحبّه وعاش فيه، بقيت خلفه حكاية أبٍ فقد أبناءه قبل أن يصبح هو نفسه اسمًا جديدًا في سجل الفقد الطويل الذي تكتبه غزة كل يوم.

اخبار ذات صلة