كل حجر في البلدة القديمة بمدينة القدس يحمل حكاية، وكل نافذة تطل على تاريخ طويل من الحياة الفلسطينية الملتصقة بالمسجد الأقصى وأسواق القدس وأزقتها القديمة.
لكن هذه البيوت نفسها باتت اليوم أمام تهديد جديد.
خلال الأيام الماضية، كشفت تقارير إسرائيلية ومقدسية عن مصادقة سلطات الاحتلال على مخطط يستهدف الاستيلاء على عشرات العقارات الفلسطينية في منطقة باب السلسلة، أحد أهم المداخل المؤدية إلى المسجد الأقصى، تمهيدًا لتسليمها للمستوطنين ضمن مشروع لتوسيع ما يسمى “الحي اليهودي” داخل البلدة القديمة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن المخطط قد يشمل نحو 50 مبنى وعقارًا فلسطينيًا، في خطوة وُصفت بأنها من أخطر المشاريع التهويدية التي تستهدف قلب القدس القديمة منذ سنوات.
في باب السلسلة، لا يحتاج السكان إلى خرائط سياسية لفهم ما يجري.
يكفي أن يقترب المستوطنون من بيتٍ ما، حتى تبدأ الحكاية المعتادة: تضييق، وحراس، وكاميرات مراقبة، واقتحامات متكررة، ثم واقع جديد يُفرض بالقوة على الحي بأكمله.
المنطقة المستهدفة ليست عادية بالنسبة للمقدسيين.
فهي تضم مباني تاريخية وأوقافًا إسلامية تعود للعصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، وتقع في واحد من أكثر الممرات حيوية المؤدية إلى المسجد الأقصى من جهة الأسواق والحي الإسلامي.
ويرى مقدسيون أن السيطرة على هذه العقارات لا تعني فقط الاستيلاء على بيوت، بل محاولة لإعادة رسم هوية المكان بالكامل.
محافظة القدس اعتبرت القرار “تصعيدًا استعماريًا خطيرًا”، مؤكدة أن الاحتلال يسعى إلى تفريغ محيط المسجد الأقصى من الوجود الفلسطيني وفرض وقائع تهويدية جديدة داخل البلدة القديمة.
كما دانت وزارة الخارجية الفلسطينية المخطط، واعتبرته انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقدس المحتلة، محذرة من تداعياته السياسية والدينية.
من جهتها، حذّرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ومؤسسات مقدسية مختصة بشؤون القدس من أن المشروع يأتي ضمن سياسة ممنهجة لتوسيع الاستيطان داخل الأحياء الفلسطينية، وربط المناطق المصادرة بما يسمى “الحي اليهودي”، بما يؤدي إلى تغيير التركيبة السكانية والتاريخية للبلدة القديمة.
أما باحثون وحقوقيون مقدسيون، فأكدوا أن خطورة المشروع ترتبط أيضًا بتوقيته، في ظل انشغال العالم بالحرب على غزة، واستغلال حكومة اليمين في (إسرائيل) لهذه الظروف لتمرير مخططات تهويدية قديمة جُمّدت سابقًا بسبب حساسيتها.
ويقول مختصون إن باب السلسلة ليس مجرد شارع داخل البلدة القديمة، بل شريان أساسي يصل الفلسطينيين بالمسجد الأقصى، والسيطرة عليه تمنح المستوطنين نفوذًا أكبر في قلب المدينة القديمة.
وفي الشارع المقدسي، تبدو المخاوف أكبر من مجرد خسارة عقار.
فهناك شعور متزايد بأن القدس القديمة تُعاد صياغتها تدريجيًا لصالح المشروع الاستيطاني، بينما يُدفع الفلسطينيون إلى الهامش عبر المصادرة والضرائب والتضييق والإخلاءات القسرية.
ورغم الإدانات الفلسطينية والحقوقية، يخشى المقدسيون أن يتحول المخطط إلى واقع جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من التغييرات التي طالت المدينة خلال السنوات الماضية.
في باب السلسلة، تبدو الحكاية واضحة أكثر من أي وقت مضى: البيوت الفلسطينية القديمة أصبحت خط المواجهة الأخير في معركة الهوية والوجود داخل القدس القديمة.