لم يكن محمد الجرجاوي يعرف لماذا يتوجب عليه أن يمشي كل تلك المسافة.
كان طفلًا لم يتجاوز الثامنة، يحمل خوفه الصغير بيد، ويتمسك بيد والده بالأخرى، وسط آلاف النازحين الخارجين من شمال قطاع غزة نحو جنوبه تحت القصف والجوع والرعب.
الطريق الطويلة كانت مليئة بالوجوه المتعبة، بالأمهات اللواتي يحملن أطفالهن، وبالرجال الذين يدفعون ما تبقى من حياتهم فوق عربات مهترئة.
لكن أصعب ما في الرحلة لم يكن الجوع ولا العطش، بل الحاجز العسكري الذي كان عليهم المرور منه.
هناك، وقف الناس في طابور طويل تحت أعين الجنود.
لا أحد يتكلم.
لا أحد يتحرك كثيرًا.
الخوف وحده كان يملأ المكان.
يقول والد محمد إن ابنه كان يقف بجانبه بهدوء كامل حين اقتربت مجندة إسرائيلية فجأة، قبل أن تضرب الطفل بعقب سلاحها مباشرة في عينه.
“لم يكن يفعل شيئًا… مجرد طفل واقف بجانبي”، يقول الأب بصوت مثقل.
“لا أعرف لماذا فعلت ذلك”.
في لحظة واحدة، سقط محمد على الأرض وهو يصرخ من شدة الألم.
الدم غطى وجهه الصغير، بينما حاول والده حمله وسط الفوضى والجنود والصراخ.
أما محمد، فيتذكر تلك اللحظة بصوت مرتبك:
“شعرت بألم لا يوصف… كان شعورًا مرعبًا… تمنيت أن أموت في تلك اللحظة”.
لاحقًا، اكتشفت العائلة أن الطفل فقد عينه بالكامل.
لكن الأب، الذي كان يحاول تضميد ما تبقى من خوف ابنه، يقول إن ما شاهده على طريق النزوح كان أشد قسوة من إصابة محمد نفسها.
“حين أنظر إلى ابني أحمد الله… هناك أطفال قُتلوا بدم بارد”، يقول.
“رأينا جثامين تُترك على الطرقات… رأينا الكلاب تنهش بعض الشهداء… هذا ما رأيناه ونحن نهرب”.
يصمت قليلًا، ثم يضيف بمرارة:
“هذا الجيش الذي يقولون إنه الأقوى في العالم… كل قوته متمركزة على الأطفال فقط”.
في غزة، لا يحتاج الطفل إلى أن يكون في ساحة معركة حتى يخسر جزءًا من جسده.
يكفي أحيانًا أن يقف في طابور تفتيش.
ومنذ بدء الحرب على القطاع، وثقت منظمات حقوقية دولية وفلسطينية شهادات واسعة عن الانتهاكات التي تعرض لها النازحون على الحواجز العسكرية، بما يشمل الإذلال والاعتداء الجسدي والتنكيل بالمدنيين، خصوصًا الأطفال والنساء.
لكن محمد الجرجاوي لا يعرف شيئًا عن التقارير الحقوقية.
كل ما يعرفه الآن، أن العالم صار يُرى بعين واحدة فقط.