مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

غزة تودّع القائد محمد عودة وعائلته في موكب مهيب

أطفال يركضون أمام جنازة القائد عودة
أطفال يركضون أمام جنازة القائد عودة

الرسالة نت - متابعة

بينما كان الفلسطينيون يستقبلون أيام عيد الأضحى المبارك وسط ظروف إنسانية وأمنية بالغة القسوة، شيّعت جماهير غفيرة في مدينة غزة الشهيد القسامي القائد محمد عودة "أبو عمرو" وعائلته، الذين ارتقوا خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل على القطاع، في مشهد امتزجت فيه مشاعر الحزن والفخر، وتحولت فيه تكبيرات العيد إلى وداعٍ مهيب لأحد القادة الميدانيين الذين ارتبطت أسماؤهم بمسيرة المقاومة والعمل الوطني.

وانطلق موكب التشييع عقب صلاة الظهر من مسجد النور في شارع الثورة بمدينة غزة، وسط مشاركة واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني وقيادات ووجهاء ومحبين للشهيد، الذين توافدوا لتوديع القائد وعائلته ورفعوا الرايات الفلسطينية ورددوا الهتافات التي تمجد الشهداء وتؤكد استمرار طريق المقاومة.

عيد ممزوج بالفقد

وجاء تشييع الشهيد محمد عودة في وقت يعيش فيه قطاع غزة أحد أكثر أعياده قسوةً منذ سنوات، حيث أدى المواطنون صلاة العيد بين أنقاض المنازل المدمرة وداخل خيام النزوح، فيما تواصل الغارات الإسرائيلية استهداف مختلف مناطق القطاع.

وبينما اعتاد الفلسطينيون أن تستقبل العائلات العيد بزيارات المعايدة والأضاحي واللقاءات الاجتماعية، وجد كثيرون أنفسهم يشاركون في مواكب تشييع الشهداء، ويودعون أحباءهم الذين ارتقوا في ظل الحرب المستمرة.

وكان مشهد تشييع القائد أبو عمرو وعائلته واحداً من أكثر المشاهد تأثيراً، إذ تزامن مع أجواء العيد التي غابت عنها مظاهر الفرح لتحضر فيها مشاعر الفقد والصمود.

مسيرة من العمل والجهاد

وبرز اسم محمد عودة خلال السنوات الأخيرة بعيدًا عن الأضواء، في إطار سياسة “العمل الصامت” التي يتبعها الجهاز العسكري لحماس، إلا أن حضوره ظل حاضرًا بقوة في الملفات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية الحساسة داخل قطاع غزة.

وينحدر عودة من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وبدأ ارتباطه بحركة حماس منذ سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حيث عُدّ من الجيل المؤسس للعمل العسكري في الحركة، وشارك في مراحل مبكرة من بناء البنية التنظيمية والعسكرية لكتائب القسام إلى جانب قادة بارزين في تاريخ الحركة.

وخلال مسيرته، تنقل بين عدة مواقع قيادية داخل الكتائب، كان أبرزها العمل في دائرة التصنيع العسكري، وقيادة كتائب “الخلفاء” في جباليا عام 2009، قبل أن يتولى مهام أكثر حساسية في قيادة لواء الشمال ودوائر الاستخبارات القتالية.

وبحسب المعلومات المتداولة، فإن عودة تولى قيادة ملف الاستخبارات العسكرية داخل كتائب القسام منذ عام 2022، وهو الملف المسؤول عن جمع وتحليل المعلومات الميدانية المتعلقة بتحركات الجيش الإسرائيلي، ورصد نقاط الضعف، وإعداد التقديرات الأمنية والعسكرية.

كما ارتبط اسمه بحادثة القوة الإسرائيلية الخاصة شرق خانيونس عام 2018، والتي شكلت تحولًا مهمًا في المواجهة الاستخباراتية بين المقاومة والاحتلال، بعد استيلاء المقاومة على أجهزة ومواد وصفت حينها بأنها ذات قيمة استخباراتية عالية.

وتصف مصادر فلسطينية محمد عودة بأنه أحد أكثر الشخصيات قربًا من القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف، كما جرى تداوله كأحد الأسماء التي لعبت أدوارًا مركزية في إعادة ترتيب الهيكل العسكري للقسام خلال السنوات الماضية، خصوصًا بعد سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قيادات الصف الأول.

وأعلنت "إسرائيل" اغتياله في 26 مايو/أيار 2026، عشية عيد الأضحى، عبر غارات استهدفت حي الرمال بمدينة غزة، في إطار سلسلة عمليات اغتيال قالت إنها تستهدف “العقول القيادية” داخل حركة حماس.

وبحسب ما ورد في بيان حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، فإن الشهيد ارتقى بعد مسيرة حافلة بالعطاء والثبات، وظل حاضراً في ميادين العمل والجهاد حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

وأكدت الحركة أن استشهاده وعائلته يمثل صفحة جديدة من صفحات التضحية التي يسطرها أبناء الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان المستمر، مشيرة إلى أن دماء الشهداء ستبقى وقوداً لمسيرة الصمود والنضال.

رسالة تحدٍ رغم الاستهداف

ويرى مراقبون أن استهداف القادة والكوادر الميدانية وعائلاتهم بات جزءاً من السياسة الإسرائيلية الرامية إلى إضعاف البنية المجتمعية والمقاومة في قطاع غزة، إلا أن مشاهد التشييع الحاشدة التي تشهدها المدن والمخيمات تعكس استمرار الالتفاف الشعبي حول خيار الصمود والثبات.

وخلال مراسم التشييع، ارتفعت أصوات التكبير والدعاء للشهداء، فيما أكد المشاركون أن استمرار استهداف القيادات الفلسطينية لن ينجح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني أو دفعه للتراجع عن مطالبه الوطنية.

ويأتي استشهاد القائد محمد عودة وعائلته ضمن سلسلة طويلة من الشهداء الذين ارتقوا خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، والتي خلفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ودماراً واسعاً طال معظم أحياء القطاع.

وفي الوقت الذي يواصل فيه الفلسطينيون دفن شهدائهم وتشييعهم يومياً، تتجدد مشاهد التمسك بالأرض والصمود، لتتحول مواكب التشييع إلى رسائل سياسية وشعبية تؤكد أن الحرب، رغم ما خلفته من مآسٍ وخسائر، لم تنجح في انتزاع إرادة الحياة أو كسر عزيمة الفلسطينيين.

وهكذا، وبين تكبيرات العيد ودموع الوداع، ودّعت غزة القائد محمد عودة "أبو عمرو" وعائلته، لتضيف اسماً جديداً إلى سجل طويل من الشهداء الذين ارتبطت ذكراهم بمحطات النضال الفلسطيني، فيما يبقى حضورهم في الذاكرة الوطنية شاهداً على مرحلة استثنائية من تاريخ القطاع وشعبه.

بث مباشر