وقف الشاب عبودي نجدي أمام 11 نعشًا دفعة واحدة، يحاول أن يودّع عائلته التي انتهت في دقائق تحت غارة للاحتلال استهدفت بلدة دير قانون النهر جنوب لبنان، رغم الحديث المتكرر عن وقف إطلاق النار.
كان الشاب اللبناني من ذوي الإعاقة يلمس الأكفان البيضاء واحدًا واحدًا، ينادي أسماء والده ووالدته وأقاربه، ويبكي كما لو أن العالم كله انهار فوق صدره. لم يكن المشهد مجرد جنازة جماعية، بل صورة مكثفة لحرب يُقال إنها توقفت، فيما يستمر الموت يوميًا.
هو ذات المشهد الذي لا يزال يتكرر في غزة رغم ورقة الاتفاق الكاذبة.
منذ بداية عام 2026، بدا وقف إطلاق النار في غزة ولبنان هشًا إلى حد الانهيار، مع استمرار الغارات والقصف والعمليات العسكرية للاحتلال في المنطقتين.
ففي غزة، وثقت الجهات الحكومية والحقوقية أكثر من 1300 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، شملت 430 حالة إطلاق نار، و604 عمليات قصف واستهداف، و66 توغلًا عسكريًا، و200 عملية نسف منازل ومبانٍ سكنية. وأسفرت هذه الخروقات عن استشهاد ما لا يقل عن 483 فلسطينيًا، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 1400 جريح.
وفي لبنان، تواصلت غارات الاحتلال رغم إعلان التهدئة، خاصة منذ تصاعد العدوان في مارس/آذار 2026. وتشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى استشهاد أكثر من 3111 لبنانيًا وإصابة نحو 9432 آخرين حتى مايو/أيار 2026، فيما تجاوز عدد الشهداء في مارس وحده 912 شهيدًا خلال أسبوعين فقط من التصعيد. كما أدى القصف المتواصل إلى نزوح مئات الآلاف وتدمير واسع للقرى الحدودية والمنازل والبنية التحتية، إضافة إلى استهداف طواقم الإسعاف والدفاع المدني.
ويقول المحلل الفلسطيني إياد القرا إن حكومة الاحتلال استخدمت اتفاقات التهدئة “غطاءً لمواصلة عملياتها العسكرية”، معتبرًا أن استمرار القتل والحصار والتوسع الميداني في غزة يكشف أن الاحتلال “لم يتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره نهاية للحرب، بل مرحلة جديدة منها”.
كما يرى باحثون ومراقبون أن الخروقات المتواصلة في غزة ولبنان تعكس هشاشة أي اتفاق لا يتضمن آليات رقابة وضمانات دولية حقيقية، خاصة مع استمرار الغارات وعمليات القتل حتى بعد الإعلان الرسمي عن التهدئة.
وبين غزة وجنوب لبنان، تتكرر المشاهد ذاتها؛ عائلات تُنتشل من تحت الركام، وناجون يقفون أمام أكفان جماعية، وهدن تتحول إلى مجرد بيانات سياسية لا توقف القصف ولا تمنع الموت. فالحرب التي يُقال إنها توقفت، ما تزال تُكتب كل يوم بدم المدنيين على جانبي الحدود.
من غزة إلى جنوب لبنان.. خروقات وقف إطلاق النار تواصل حصد المدنيين
الرسالة نت-متابعة