في أحد أسواق النزوح وسط قطاع غزة، يحمل رجل إبريقًا فخاريًا صغيرًا بين يديه وكأنه يشتري قطعة من الماضي.
لا ثلاجات تعمل، ولا كهرباء تكفي لتبريد الماء، ولا وسائل لحفظ الطعام في حر الصيف الخانق.
لذلك عاد الفلسطينيون في غزة إلى ما كان يستخدمه الأجداد قبل عشرات السنين؛ أواني الفخار.
داخل الخيام ومراكز الإيواء، أصبحت "الزير" والأباريق الفخارية جزءًا من الحياة اليومية للنازحين، بعدما تحولت الكهرباء إلى رفاهية شبه معدومة بفعل الحرب ونفاد الوقود.
يقول محمود خضر، وهو نازح من غزة، إنه لم يعد يجد وسيلة لتبريد المياه سوى الإبريق الفخاري.
ويقول: "هذا الإبريق ما كنت أشوفه إلا في زمن أجدادنا، لكننا رجعنا لزمنهم من جديد.. لا كهرباء ولا ثلاجات ولا أي مقومات للحياة".
ومع اشتداد حرارة الصيف داخل الخيام البلاستيكية، صار الماء البارد حلمًا يوميًا للنازحين، ما دفع كثيرين للبحث عن أوانٍ فخارية تحفظ برودة المياه لساعات طويلة بشكل طبيعي.
ولم تقتصر العودة إلى الفخار على تبريد المياه فقط، بل امتدت لحفظ الطعام أيضًا، في ظل تعطل الثلاجات وفساد الأغذية بسرعة بسبب الحرارة العالية.
وتقول عائلات نازحة إن بعض النساء عدن لاستخدام الجرار والأوعية الطينية القديمة لحفظ ما يتوفر من طعام أو طهي أكلات بسيطة، بعدما اختفت كثير من الأدوات المنزلية المعدنية والبلاستيكية من الأسواق أو أصبحت باهظة الثمن.
الحرب لم تُعد الفخار إلى بيوت الغزيين فقط، بل أعادت إحياء مهنة تراثية كادت أن تختفي.
ففي مدينة دير البلح وسط القطاع، يعمل حرفيون داخل خيام بدائية لصناعة الأباريق والأواني الطينية يدويًا، بعدما دمر الاحتلال (الإسرائيلي) ورش الفخار القديمة وتوقفت الآلات بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الوقود.
ويقول بهجت عطا الله، أحد أصحاب ورش الفخار، إن الطلب على الأواني الفخارية ارتفع بشكل كبير بسبب الحصار وانعدام الكهرباء، موضحًا أن الناس باتوا يستخدمونها بديلًا عن الثلاجات لتبريد المياه.
وأضاف أن الورش عادت للاعتماد على الطرق اليدوية القديمة، بما في ذلك تشغيل عجلات الفخار بالأقدام واستخدام الحطب بدل الغاز في عمليات الحرق، بسبب نفاد الوقود وارتفاع أسعاره.
ووفق تقارير ميدانية، فإن كثيرًا من النازحين يحملون معهم الأواني الفخارية خلال تنقلاتهم المتكررة بين مناطق النزوح، بعدما أصبحت وسيلة أساسية لتأمين مياه أبرد نسبيًا في ظل الحرارة القاسية ونقص المياه النظيفة.
وفي غزة، حيث دفعت الحرب السكان للعودة إلى وسائل بدائية كثيرة؛ من استخدام الحمير في النقل إلى إشعال الحطب للطهي، تبدو أواني الفخار أكثر من مجرد أدوات منزلية.
إنها محاولة يومية للتأقلم مع حياة سُحبت منها أبسط الخدمات، وعودة قسرية إلى زمن كان الناس يبردون فيه الماء بالطين بدل الكهرباء!
غزة تعود إلى زمن الفخار.. أوانٍ طينية تبرد الماء وتحفظ الطعام وسط انقطاع الكهرباء!
الرسالة نت-خاص