لم يكونوا يحملون سوى مهمة واحدة؛ تنظيم الشوارع، حماية الأسواق، ومنع الفوضى في مدينة أنهكتها الحرب والجوع والنزوح.
لكن حتى هذه المهمة أصبحت هدفًا للطائرات الإسرائيلية.
ففي مشهد جديد يعكس هشاشة وقف إطلاق النار المعلن في قطاع غزة، استشهد خمسة من عناصر الشرطة الفلسطينية، إلى جانب طفل، بعد استهدافهم خلال عملهم على حفظ الأمن وتنظيم حياة المواطنين في مناطق متفرقة من القطاع.
والشهداء من عناصر الشرطة هم: هاني المدهون، عبدالهادي جربوع، محمد هنية، صالح الحناوي، ومحمد العر، فيما أُعلن لاحقًا عن استشهاد الطفل أبو أنس المرنخ متأثرًا بإصابته بعد ساعات من الاستهداف.
وبحسب مصادر محلية، كان عناصر الشرطة ينتشرون في مواقعهم الاعتيادية لمتابعة الأوضاع الميدانية وتأمين المواطنين، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها غزة نتيجة الحرب المستمرة والانهيار الواسع في الخدمات والبنية المدنية.
لكنهم تحولوا فجأة إلى أهداف مباشرة للقصف الإسرائيلي.
ويقول شهود عيان إن الاستهداف وقع بينما كان عناصر الشرطة يؤدون مهامهم المدنية المعتادة، بعيدًا عن أي اشتباكات، ما أثار حالة غضب واسعة بين المواطنين في امتداد لاستهداف متكرر للأجهزة الشرطية والمدنية في القطاع.
وخلال الأشهر الماضية، تعرض عشرات من عناصر الشرطة واللجان المدنية للاستهداف خلال محاولاتهم تنظيم الأسواق، حماية شاحنات المساعدات، ومنع السرقات والفوضى داخل المناطق المكتظة بالنازحين.
ويرى مسؤولون ما جرى بأنه "خرق واضح لوقف إطلاق النار"، وأن عناصر الشرطة المستهدفين كانوا يقومون بمهام مدنية تتعلق بحماية الأمن الداخلي وتسهيل حياة السكان في مناطق منكوبة تعيش أوضاعًا إنسانية كارثية.
وفي قطاع يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، لم يعد رجال الشرطة يواجهون فقط تحديات الفوضى والانهيار الأمني، بل أصبحوا أيضًا معرضين للموت أثناء محاولتهم حماية ما تبقى من حياة مدنية وسط الركام.
ومع كل يوم جديد من الحرب، يتسع سجل الاستهداف ليطال جهاز الشرطة الفلسطينية بصورة مباشرة ومتكررة، في وقت تؤكد فيه تقارير وتصريحات رسمية أن عدد شهداء الشرطة تجاوز 2800 شهيد منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم قادة وضباط وعناصر قُتلوا أثناء تأدية مهامهم في تأمين المساعدات، وحماية الأسواق، ومنع الفوضى، وحفظ الأمن الداخلي.
وكانت الشرطة الفلسطينية قد أعلنت في يناير/كانون الثاني 2025 استشهاد أكثر من 1400 من منتسبيها، إلى جانب إصابة ما يزيد على 1950 آخرين واعتقال نحو 211 عنصرًا، قبل أن تتضاعف الحصيلة خلال الشهور اللاحقة مع استمرار استهداف المقار والنقاط الشرطية والدوريات الأمنية.
وخلال الأشهر الأخيرة وحدها، وثّقت تقارير إعلامية وحقوقية سلسلة من الهجمات التي طالت عناصر الشرطة، بينها استشهاد 8 ضباط وعناصر بقصف مركبتهم قرب الزوايدة وسط القطاع في مارس/آذار 2026، واستشهاد 7 آخرين بينهم ضابطان ومعاونا شرطة في استهداف مركبة شرطة بمدينة غزة في أبريل/نيسان، إضافة إلى استشهاد 5 من عناصر الشرطة في قصف نقطة شرطة بحي الشيخ رضوان شمال غزة اليوم السبت.
وتشير تقديرات رسمية وحقوقية إلى أن استهداف الشرطة أصبح سياسة متواصلة تستهدف ما تبقى من المنظومة المدنية في القطاع، في ظل حرب أودت بحياة أكثر من 73 ألف فلسطيني وأصابت مئات الآلاف، بينما يواصل عناصر الشرطة العمل وسط القصف والانهيار الإنساني، رغم تحولهم إلى أهداف مباشرة للغارات الإسرائيلية.
ويأتي استهداف عناصر الشرطة الخمسة والطفل في وقت تتصاعد فيه خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025. وتشير إحصائيات حقوقية وإعلامية إلى وصول حصيلة الاستهدافات إلى 809 شهداء و2267 إصابة منذ توقيع الاتفاق، جراء القصف وإطلاق النار والتوغلات واستهداف المدنيين وعناصر الشرطة واللجان المدنية، ما يحول وقف إطلاق النار إلى اتفاق شكلي لا يوقف القتل اليومي في قطاع غزة.