"أمي وأبي، زوجتي وأبنائي الثلاثة، أخي أحمد وزوجته وأبناؤه، أخي محمد وزوجته وأطفاله، وخالي وزوجته وأبناؤه.. جميعهم مُسحوا من السجل المدني".
بهذه الكلمات الثقيلة يبدأ محمود خلة رواية المجزرة التي ابتلعت عائلته كاملة تحت ركام منزلهم في مخيم جباليا شمال قطاع غزة.
لا يعدد محمود أسماء الشهداء فقط، بل يستعيد عائلات كاملة اختفت دفعة واحدة، كأنها لم تكن تعيش هنا يومًا.
في 21 ديسمبر/كانون الأول 2023، كان منزل العائلة مكتظًا بالأقارب والنازحين الذين احتموا به هربًا من القصف المتواصل على شمال غزة.
داخل المنزل كان هناك 39 شخصًا؛ أطفال ونساء ورجال اعتقدوا أن الجدران الضيقة قد تمنحهم فرصة للبقاء على قيد الحياة.
لكن غارة إسرائيلية واحدة حولت المنزل إلى مقبرة جماعية.
يقول محمود، الناجي الوحيد تقريبًا من العائلة: "كانوا 39 شخصًا في منزلي، واستشهدوا جميعهم".
خرج قبل دقائق فقط من القصف بحثًا عن الطعام لعائلته، وعندما عاد لم يجد سوى الركام والغبار وصراخ الجيران.
ويضيف: "أخرجت 12 منهم بنفسي من تحت الركام، أما البقية فلا يزالون مدفونين هناك حتى اليوم".
يحاول أن يتذكر كيف كانت يداه تنبشان الحجارة والإسمنت دون معدات أو أدوات إنقاذ، وكيف كان يسحب الجثامين واحدًا تلو الآخر بينما تتصاعد رائحة الموت من المكان.
لكن المهمة توقفت سريعًا بسبب استمرار القصف ومنع دخول المعدات الثقيلة إلى شمال غزة.
ويقول محمود إن 27 جثمانًا ما تزال مدفونة تحت أنقاض المنزل، من بينهم زوجته وأطفاله الثلاثة.
الأشد قسوة بالنسبة له أن طفله الأصغر لم يعش سوى أربعين يومًا فقط.
فبعد 11 عامًا من عدم الإنجاب، رزقه الله بطفله الثالث، لكن الحرب لم تمنحه فرصة حتى ليحمله طويلًا.
يقول محمود بصوت متقطع: "كان عندي ولد وبنت، وبعد 11 سنة رزقني الله طفلًا ثالثًا. حين أكمل 40 يومًا بالضبط، قصف الاحتلال منزلنا".
يصمت طويلًا قبل أن يضيف: "طفلي ما يزال تحت الركام".
ومنذ المجزرة، لم يعد محمود يحلم بشيء سوى استخراج جثامين أحبّته ودفنهم.
"كل ما أحلم به أن أستخرج جثامين زوجتي وأبنائي وأدفنهم".
لا يتحدث عن منزل جديد، ولا عن حياة أخرى، بل عن قبر فقط، ومكان يعرف فيه أين ترقد عائلته.
وبحسب تقديرات فلسطينية، لا تزال آلاف الجثامين والمفقودين تحت أنقاض المنازل المدمرة في قطاع غزة، في ظل عجز طواقم الدفاع المدني عن الوصول إلى كثير من المناطق بسبب نقص المعدات والوقود واستمرار القصف.
وفي شمال غزة، حيث تحولت الأحياء السكنية إلى ركام هائل، لم تعد المأساة مرتبطة بعدد الشهداء فقط، بل بعجز الأحياء عن دفن موتاهم أو حتى العثور عليهم.
أما محمود، فلا يزال يعود كل فترة إلى مكان منزله المدمر، يقف طويلًا أمام الركام، وكأنه ينتظر أن يجيبه أحد من تحت الحجارة.
"مُسحوا من السجل المدني".. الناجي الوحيد من مجزرة أودت بـ39 شخصًا من عائلة خلة في جباليا
الرسالة نت-خاص