قائمة الموقع

حجٌ مؤجل تحت الركام.. الغزيون الذين سرقت الحرب أعمارهم وحقهم في الوصول إلى مكة!

2026-05-23T07:41:00+03:00
الرسالة نت-خاص

في كل عام، كانت الحاجة رقية تفتح خزانتها الصغيرة بحذر، تخرج حقيبة بيضاء احتفظت بها منذ سنوات، تمرر يدها على قماش الإحرام وكأنها تلامس حلمًا بعيدًا، ثم تعيد كل شيء إلى مكانه بصمت.
منذ سنوات طويلة، سجلت رقية اسمها للحج، وانتظرت دورها كما ينتظر الغزيون كل شيء: الكهرباء، السفر، العلاج، والنجاة. 
وقبل الحرب بعام واحد فقط، ظهر اسمها أخيرًا ضمن قوائم الحجاج المقبولين. يومها، بكت طويلًا، ووزعت الحلوى على الجيران، وقالت إن قلبها صار أقرب إلى مكة من أي وقت مضى.
لكن الحرب جاءت. أغلقت المعابر، وابتلع الحصار كل الأحلام الصغيرة والمؤجلة. تحولت رقية من امرأة تستعد للحج إلى ناجية تعد أسماء موتاها كل ليلة. 
خسرت نحو عشرة أفراد من عائلتها بين إخوة وأقارب، وتبدلت حياتها بالكامل، حتى صارت تقول إن روحها باتت مثقلة بما لا يحتمله بشر.
تقول بصوت متعب: "كنت أريد أن أزور الرسول عليه الصلاة والسلام، أن أغسل قلبي من كل هذا الحزن.. لكن غزة حصتها دائمًا ناقصة من كل شيء، حتى من الدعاء عند الكعبة."
للعام الثالث على التوالي، يُحرم سكان قطاع غزة من أداء فريضة الحج، بعد استمرار إغلاق المعابر ومنع السفر. آلاف الغزيين الذين انتظروا سنوات طويلة وجدوا أنفسهم عالقين داخل قطاع محاصر ومدمر، بينما تغادر قوافل الحجاج من كل أنحاء العالم نحو مكة. 
ووفق وزارة الأوقاف في غزة، فإن أكثر من 10 آلاف فلسطيني حُرموا من الحج خلال سنوات الحرب الثلاث، فيما توفي 71 شخصًا من المقبولين للحج وهم ينتظرون السفر.
حنان الهمص، وهي سيدة ستينية من شمال غزة، لم تعد تتابع أخبار الحج أصلًا. كانت ضمن قوائم السفر منذ عام 2024، لكنها اليوم تعيش داخل خيمة فوق أنقاض منزلها المدمر. قُتل ابنها في الحرب، وتقول إن الاحتلال (الإسرائيلي) لم يكتفِ بحرمانهم من البيوت والأمان، بل حرمهم أيضًا من "رحلة العمر".
أما (أبو أحمد)، وهو رجل سبعيني من دير البلح وسط القطاع، فقد باع قطعة أرض صغيرة قبل سنوات ليسدد تكاليف الحج له ولزوجته. كان يقول دائمًا إن الحج هو "الهدية الأخيرة" التي يريد أن يمنحها لنفسه بعد عمر طويل من التعب والعمل. 
اليوم يعيش نازحًا داخل مدرسة مكتظة، ويحمل أوراق الحج القديمة داخل كيس بلاستيكي خوفًا من ضياعها.
يقول: "كل سنة يقولوا يمكن تنفتح المعابر.. وكل سنة نرجع بخيبة أكبر."
وفي تعقيب على ذلك، يقول رئيس جمعية أصحاب شركات الحج والعمرة في غزة عوض أبو مذكور، إن العشرات من شركات الحج والعمرة تكبدت خسائر مالية فادحة بسبب توقف مواسم الحج والعمرة لثلاثة أعوام متتالية، كما حُرم آلاف الغزيين من تحقيق أمنياتهم بزيارة الكعبة المشرفة.
وأضاف أن قرابة 2380 حاجًا أنهوا كامل استعداداتهم للسفر قبل أشهر، لكنهم بقوا داخل القطاع بعد احتلال معبر رفح ومنع الحجاج من السفر والعودة بحرية. 
وأشار إلى أن كثيرين توفوا خلال سنوات الانتظار دون أن يؤدوا الفريضة، فيما يعيش آخرون حالة نفسية صعبة نتيجة تكرار إلغاء الموسم عامًا بعد آخر.
وأوضح أن غزة تستقبل موسم العيد هذا العام بلا فرح تقريبًا؛ فلا أضاحي، ولا سفر حجاج، ولا طقوس اعتادها الناس. فقط دمار واسع، ونزوح، وجوع، وحصار يطوق كل تفاصيل الحياة.
بدوره، أكد مدير عام الحج والعمرة في غزة رامي أبو ستيتة أن نحو ثلاثة آلاف حاج من غزة كانوا يؤدون المناسك سنويًا قبل الحرب، لكن إغلاق معبر رفح وتعطل إجراءات السفر منع استكمال ترتيبات الحج بالكامل، بما يشمل السكن والنقل والتأشيرات. 
كما أشار إلى أن جزءًا من حصة غزة جرى تحويله مؤقتًا إلى الضفة الغربية والقدس المحتلة بسبب استحالة مغادرة الحجاج من القطاع.
وفي غزة، لا يبدو الحج مجرد رحلة دينية. بالنسبة لكثيرين، صار محاولة أخيرة لترميم أرواحهم المنهكة، والهروب لساعات من رائحة الحرب والموت والركام.
رقية تعرف ذلك جيدًا. في الليل، تجلس قرب خيمتها، تنظر إلى السماء الطويلة فوق غزة، وتتخيل الطواف حول الكعبة بدل الدوران اليومي بين الخيام وصفوف الماء والمساعدات.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00