في شوارع قطاع غزة لم يعد الخطر مرتبطاً فقط بالقصف الجوي أو الأحزمة النارية، بل بات الموت يهبط أحياناً من طائرة صغيرة تحلّق على ارتفاع منخفض، تراقب المارة بصمت قبل أن تلقي قنبلة أو تفتح نيرانها تجاه المدنيين. هكذا تحولت طائرات "الكواد كابتر" الإسرائيلية إلى مصدر رعب يومي يلاحق السكان في مختلف مناطق القطاع، حتى أثناء تنقلهم أو وجودهم قرب منازلهم ومخيمات نزوحهم.
وتتواصل هجمات الطائرات المسيّرة الإسرائيلية بحق المدنيين، في ظل تصاعد وتيرة الاستهدافات المباشرة التي تطال المواطنين في الشوارع والمناطق السكنية، وسط اتهامات للاحتلال بتوسيع سياسة القتل الميداني، رغم الحديث عن تفاهمات واتفاقات تهدئة لم تنعكس على الواقع الميداني.
وفي أحدث هذه الهجمات، استشهد الطفل جود دويك (13 عاماً)، جراء استهداف نفذته طائرة إسرائيلية من نوع "كواد كابتر" في مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة.
تخيّل أن تسير في الشارع، وفجأة تظهر فوق رأسك طائرة صغيرة، لتلقي قنبلة عليك دون أي ذنب اقترفته. هذا تماماً ما حدث مع جود، حين تحولت لحظات لهوه قرب منزله إلى مشهد دموي أنهى حياته في ثوانٍ.
وبحسب إفادات عائلته، كان الطفل يلهو برفقة ابن عمه قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وعلى بُعد نحو 300 متر منه، بعدما ابتعد عن منزله قرابة 200 متر فقط، قبل أن تلاحقه الطائرة المسيّرة وتلقي قنبلة باتجاهه، ما أدى إلى استشهاده على الفور، وإصابة اثنين آخرين، من بينهم ابن عمه الذي أُصيب بشظايا.
وقال جد الطفل إن مناطق شمال غزة ما تزال تتعرض يومياً لإطلاق النار والاستهدافات المباشرة، مؤكداً أن "الحرب لم تتوقف"، في ظل التحليق المتواصل للطائرات المسيّرة وإطلاق النار بشكل شبه يومي تجاه المواطنين والنازحين.
ولم تكن حادثة جود الوحيدة، إذ استشهد المواطن رأفت عادل بريكة (42 عاماً)، إثر استهداف مباشر نفذته طائرة مسيّرة غربي مدينة رفح جنوب القطاع. ووفق شهود عيان، ألقت طائرة "كواد كابتر" قنبلة تجاهه أثناء رعيه الأغنام في منطقة الشاكوش، ما أدى إلى استشهاده على الفور.
كما استشهدت المواطنة فاطمة الزهراء رمزي المعني (26 عاماً)، بعد إطلاق طائرة إسرائيلية مسيّرة النار تجاه المواطنين في منطقة المحطة شرق دير البلح وسط قطاع غزة، في حادثة تعكس اتساع رقعة الاستهدافات التي تطال المدنيين في مختلف المحافظات.
وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن حصيلة ضحايا خروقات الاحتلال منذ سريان اتفاق العاشر من أكتوبر 2025 بلغت 883 شهيداً و2648 مصاباً، في ظل استمرار القصف الجوي وإطلاق النار المباشر والاستهدافات بالطائرات المسيّرة في أنحاء القطاع كافة.
بدوره أعرب مركز غزة لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه واستهجانه إزاء التطورات الميدانية الأخيرة في قطاع غزة، والتي تعكس تصعيدا خطيرا في سياسات قوات الاحتلال الإسرائيلي الرامية لفرض الوقائع بالقوة وتقليص الحيز الجغرافي المتاح للسكان المدنيين، بالتوازي مع استمرار القصف اليومي ووقوع ضحايا جدد بشكل شبه يومي.
وشدد المركز على أن السياسات (الإسرائيلية)، بما تشمل القصف واسع الأثر، وتوسيع المناطق المحظورة، وإقامة ترتيبات ومواقع عسكرية داخل قطاع غزة، تشكل في مجموعها محاولة لفرض واقع جغرافي وأمني جديد بالقوة، بما ينطوي على مخاطر جدية تتعلق بالتهجير القسري والتغيير الديمغرافي المحظورين بموجب القانون الدولي.
وطالب المركز المجتمع الدولي، ولا سيما الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، بالتحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات، وضمان حماية السكان المدنيين، والضغط من أجل إنهاء سياسة تقليص الحيز الجغرافي.
وتشهد مناطق شمال قطاع غزة، خصوصاً بيت لاهيا ومخيم جباليا، تصعيداً متواصلاً يتمثل في استهداف المدنيين والنازحين، إلى جانب عمليات إخلاء وقصف طالت مربعات سكنية كاملة، ما أدى إلى تدمير منازل وإلحاق أضرار واسعة بمخيمات تؤوي نازحين، بينما لا تتوقف طائرات "الكواد كابتر" عن التحليق فوق رؤوس السكان، في مشهد يعمّق حالة الخوف ويؤكد غياب أي مناطق آمنة داخل القطاع.
وطالب المركز المجتمع الدولي، ولا سيما الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، بالتحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات، وضمان حماية السكان المدنيين، والضغط من أجل إنهاء سياسة تقليص الحيز الجغرافي ورفع القيود المفروضة على الحركة والوصول، تمهيدا لتمكين السكان من العيش بكرامة وأمان على كامل أرضهم دون تهديد دائم بالقصف أو الإزاحة القسرية.