قائمة الموقع

ثلاثة أشهر بين الحصار والأشلاء.. مريم أبو ورده تحكي كيف سرقت الحرب جسدها وابنها

2026-05-21T12:59:00+03:00
الرسالة نت - متابعة خاصة

كانت مريم أبو ورده، السيدة الأربعينية، تظن أن الحرب مهما اشتدت لن تنتزع منها قدرتها على الوقوف وخدمة بيتها وأبنائها. لكن في شمال قطاع غزة، حيث لا وقت للنجاة ولا مساحة لالتقاط الأنفاس، تبدلت حياتها كلها في لحظة واحدة.

أصيبت مريم بقذيفتين؛ الأولى استقرت في يدها اليمنى، والثانية مزقت قدمها اليمنى. تتذكر تلك اللحظة بصوت متعب، وكأنها ما زالت تعيشها حتى الآن. تقول إن ابنها حاول أن يحميها بجسده الصغير، ارتمى فوقها خوفًا عليها، لكن القذائف كانت أسرع من محاولته الأخيرة، فاستشهد على حضنها.

تتوقف قليلًا عن الحديث، ثم تكمل بصوت خافت: "لا أنسى ذلك اليوم أبدًا، بقي ابني بين يدي وأنا أنزف، لا أعرف إن كنت سأعيش أو أموت".

نُقلت مريم إلى المستشفى الإندونيسي شمال القطاع، وهناك بدأت رحلة أخرى أكثر قسوة. بعد أيام، توغلت قوات الاحتلال في شمال غزة، وحاصرت المستشفى بشكل كامل، فيما طُرد آلاف النازحين إلى الجنوب تحت القصف والخوف والجوع.

تقول مريم: "خرجت عائلتي كلها إلى الجنوب، أما أنا فبقيت وحدي داخل المستشفى".
ثلاثة أشهر كاملة قضتها هناك، بينها عشرون يومًا كانت فاقدة للوعي، لا تعرف شيئًا عما يجري حولها، ولا إن كانت عائلتها ما تزال على قيد الحياة.
وحين استعادت وعيها تدريجيًا، بدأت ترى تفاصيل لا تغادر ذاكرتها حتى اليوم.
"كان الأطباء يجلسونا على كراسٍ متحركة؛ وكنا ننظر من النوافذ فنرى الأشلاء الممزقة في الشوارع، والكلاب الضالة تأكلها".

داخل المستشفى المحاصر، لم يكن الجوع أقل قسوة من القصف.

تقول مريم إنهم كانوا يبحثون عن شربة ماء فلا يجدونها، وإن انقطاع الأخبار كان يقتلهم ببطء. "لا نحن نعرف شيئًا عن أهلنا، ولا هم يعرفون إن كنا أحياء أم أمواتًا".
بعد ثلاثة أشهر كاملة، وصل خبر إلى عائلتها بأنها لا تزال على قيد الحياة. لم تصدق الأسرة الخبر في البداية، قبل أن تتمكن أخيرًا من رؤيتها.

تقول: "فرح زوجي وأبنائي كثيرًا عندما عرفوا أنني ما زلت حية، لكنني خرجت من الحرب إنسانة أخرى".
اليوم، تحلم مريم بتركيب أطراف صناعية ليدها وقدَمها، محاولة أن تستعيد جزءًا من حياتها القديمة، لكنها تدرك أن ما خسرته أكبر بكثير من إصابة جسدها.

"كنت بكامل صحتي، أخدم الجميع، ولا أحتاج أحدًا"، تقول وهي تنظر إلى يدها المصابة، "أما الآن فأنا مقعدة، وأنتظر من الآخرين أن يساعدوني في أبسط تفاصيل حياتي".

ورغم الألم، ما تزال مريم تحاول أن تتشبث بما تبقى لها؛ بذاكرة ابنها الشهيد، وبحياة نجت من الموت مرات كثيرة، لكنها لم تنجُ من آثار الحرب التي بقيت محفورة في جسدها وروحها إلى الأبد.

سُجلت أكثر من 5 آلاف حالة بتر أطراف في قطاع غزة منذ بدء الحرب، بينهم ما يقارب 4 آلاف طفل، فيما تشير تقديرات أممية أخرى إلى أن نحو 42 ألف مصاب في القطاع يعانون إصابات وإعاقات غيّرت مجرى حياتهم وتحتاج إلى إعادة تأهيل طويلة الأمد. 

وتصف الأمم المتحدة غزة اليوم بأنها تضم أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث، وسط انهيار شبه كامل للقطاع الصحي ونقص حاد في الأطراف الصناعية وخدمات العلاج والتأهيل.

اخبار ذات صلة