شهدت أسواق السلع الأساسية في جلسات التداول الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في أسعار النفط والذهب معًا، في وقتٍ يترقّب فيه المستثمرون تطورات الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على الإمدادات العالمية والسياسات النقدية للبنوك المركزية.
وفق بيانات رويترز، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت تسليم يوليو بنسبة تقارب 1.8% إلى نحو 110.12 دولارًا للبرميل، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى ما يقارب 103 دولارًا، في ظل حالة من الحذر تسيطر على تداولات الطاقة.
السبب الرئيسي لهذا التراجع يعود إلى تصريحات سياسية وتوقعات تهدئة النزاع، بعد إعلان الرئيس الأمريكي تعليق هجوم كان مقرّرًا على إيران لإفساح المجال أمام مفاوضات سلام محتملة، وهو ما خفّض الضغط المباشر على أسعار النفط على المدى الفوري، رغم أن المخاطر الأساسية على الإمدادات لا تزال قائمة في الأسواق.
في جانب المعادن النفيسة، سجّل الذهب تراجعًا قويًا في المعاملات الفورية بنحو 1.5%، مسجّلًا مستويات منخفضة لم يُشهد لها مثيل منذ أسابيع. العديد من المحللين يشيرون إلى أن عائدات سندات الخزانة الأمريكية المرتفعة وقوة الدولار حدّت من جاذبية الذهب كملاذ آمن، إذ إن ارتفاع العائدات يزيد “تكلفة الفرصة” لاحتفاظ المستثمرين بأصول لا تقدّم عائدًا مثل الذهب، بينما يظل الدولار عند مستوى قوي مقابل العملات الأخرى.
لا شك أن التوترات الجيوسياسية — ولا سيما المخاوف من امتداد النزاعات أو تجددها — عادة ما تدفع المستثمرين إلى الذهب باعتباره تحوطًا في أوقات الأزمات، لكن قوة الدولار الأمريكية وتوقعات أسعار الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي أسهمتا في وضع ضغط إضافي على المعدن الثمين، مما جعل الذهب لا يحقق الارتفاع المتوقع رغم بيئة المخاطر.
من جانبه، يشكّل ارتفاع الدولار — الذي ارتفع مؤشره بنحو 0.23% — عاملًا إضافيًا في تقييد ارتفاع كلٍ من النفط والذهب، لأن السلع المسعّرة بالدولار تصبح أكثر كلفة للمشترين بعملات أخرى، ما يُقلّل الطلب ويضغط على الأسعار.
وحتى حين تنخفض أسعار النفط، فإن ذلك ينعكس غالبًا على التضخم المتوقع، ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم موقفهم من الذهب، إذ إن توقعات التضخم المرتفعة تعني عادة طلبًا أعلى على المعدن كحماية، لكن بيئة السياسة النقدية المشدّدة في أمريكا — مع احتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول — تضع ضغطًا معاكسًا على الذهب، وتجعل المستثمرين يتجهون نحو الأصول ذات العائد الأعلى.
في المجمل، تراجع النفط والذهب معًا يبرز كيف أن الأسواق اليوم تتأثر بمزيج معقّد من العوامل السياسية والاقتصادية؛ فبينما تخفّف احتمالات السلام بعض المخاطر في الطاقة، ترفع قوة الدولار وعوائد السندات كلفة الاحتفاظ بالذهب، ويظل المستثمرون في حالة ترقّب لقرارات البنوك المركزية ومعطيات التضخم القادمة لتحديد المسار المقبل لأسعار السلع الأساسية عالميًا.