قائمة الموقع

سمير زقوت.. طفل خرج من النار بلا يدٍ ولا قدم

2026-05-20T08:40:00+03:00
الرسالة نت-متابعة

لم يكن سمير زقوت، الطفل الفلسطيني ذو الاثني عشر عامًا، يعرف أن دقائق اللعب الأخيرة مع شقيقه ستفصل بين حياته القديمة وحياة أخرى مليئة بالألم والأسئلة الثقيلة.
كان يقف داخل الغرفة الصغيرة، ممسكًا هاتفًا محمولًا يلعب عليه، بينما كان شقيقه يلهو بالكرة قرب النافذة. في لحظة عفوية، أمسك سمير الكرة وقذفها خارج الشباك، فركض شقيقه سريعًا لإحضارها من الخارج.
في تلك الثواني فقط، تغيّر كل شيء.  يقول سمير بصوت هادئ يشبه التعب: "دخلت طائرة استطلاع على الغرفة وفجرت نفسها، اشتعل المكان كله بالنار، وكنت أنا داخل هذه النيران".
لم يفهم الطفل ما الذي حدث بعد ذلك.
النيران كانت أعلى من صوته، والدخان كان يملأ المكان، بينما كانت عائلته تحاول اقتحام الغرفة المشتعلة لإنقاذه.
تقول والدته: "كانت النيران قوية جدًا، حاولنا أكثر من مرة أن ندخل إليه، لم نكن نراه من شدة النار، حتى استطاع والده أن يسحبه من وسط اللهب".
لكن النجاة جاءت ناقصة، وحين فتح سمير عينيه داخل مستشفى الشفاء بمدينة غزة، لم يجد يده ولا قدمه.
أخبره الأطباء أن جسده الصغير خضع لعملية جراحية استمرت اثنتي عشرة ساعة كاملة، بعد إصابات وحروق بالغة أصابت أطرافه.
كان الطفل يحب كرة القدم أكثر من أي شيء آخر.
يحلم أن يكبر لاعبًا، أن يركض في الحارات الترابية مع أصدقائه، أن يسجل هدفًا ويصرخ فرحًا مثل بقية الأطفال.
لكن الحرب سرقت حتى هذا الحلم البسيط.
يقول سمير: "كنت أحب اللعب بالكرة، وبعد الإصابة وجدت نفسي عاجزًا، لا أستطيع اللعب".
لاحقًا، جرى تحويله للعلاج في الأردن، وهناك بدأت رحلة أخرى مع الألم والتأهيل والأطراف الصناعية.
يتذكر سمير أنه رأى في منامه ذات ليلة نفسه يسير بقدم صناعية ويحرك يدًا إلكترونية، وكأن عقله الصغير كان يحاول ترميم ما دمّرته الحرب.
وفي الأردن، حصل فعلًا على يد إلكترونية وقدم صناعية، وأصبح قادرًا على المشي وتدبير شؤونه اليومية داخل المخيم، لكنه ما زال يقف طويلًا حين يرى الأطفال يركضون خلف الكرة.
لا يستطيع اللحاق بهم.
ورغم كل ما خسره، يحاول سمير أن يبقى مبتسمًا.
يضحك أحيانًا، ويتحدث بحب عن الحياة، لكنه يقول إن أطفال غزة خسروا أشياء أكبر من أعمارهم بكثير.
"الاحتلال كان يتقصدنا بالقتل والموت"، يقولها الطفل بوجه هادئ لا يشبه طفولته.
في غزة، لا يكبر الأطفال بالطريقة الطبيعية. هناك، يتعلمون أسماء الطائرات قبل أسماء الألعاب، ويحفظون شكل النيران قبل أن يحفظوا ملامح أحلامهم.
أما سمير، فقد خرج من إحدى الغارات بقدمٍ إلكترونية ويدٍ صناعية، لكنه خرج أيضًا بقلب طفل يعرف عن الحرب أكثر مما يجب.
سمير واحد من آلاف الحكايات التي خلّفتها الحرب؛ فبحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، شهد قطاع غزة ما بين 3 آلاف إلى 4 آلاف حالة بتر أطراف لدى الأطفال منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ليصبح القطاع صاحب أعلى نسبة أطفال مبتوري الأطراف .
كما أشارت تقارير منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل أكثر من 4700 حالة بتر حتى منتصف عام 2025، في ظل انهيار النظام الصحي ونقص حاد في خدمات التأهيل والأطراف الصناعية.
وتؤكد الأمم المتحدة أن آلاف المصابين في غزة يواجهون “إصابات تغيّر الحياة” بشكل دائم، بينما يشكل الأطفال ربع هذه الحالات تقريبًا.
في مكانٍ يُولد فيه الأطفال وسط الحصار والحرب، لم تعد الإصابات مجرد أرقام، بل وجوهًا صغيرة مثل سمير، تحمل ما تبقى من طفولتها فوق أطراف صناعية، وتحاول أن تتعلم كيف تكبر بعد أن فقدت أحلامها مبكرًا.

اخبار ذات صلة