قائمة الموقع

كيف تحوّل ركام غزة إلى قنبلة بيئية وصحية؟

2026-05-19T15:52:00+03:00
صورة لحجم الدمار في قطاع غزة
غزة _ تحقيق خاص

وسط جبال الركام التي غطّت أحياء قطاع غزة، لم تتوقف آثار الحرب عند حدود الدمار العمراني، بل تحولت الأنقاض المتراكمة إلى تهديد بيئي وصحي وإنساني طويل الأمد يطال الإنسان والتربة والمياه والهواء، في مشهد يصفه مختصون بأنه “كارثة مركبة” ستستمر آثارها لعقود، وقد تتجاوز تداعياتها حدود القطاع إلى المناطق المجاورة.

وتشير تقديرات أممية ومحلية إلى أن الحرب دمّرت ما بين 78 و90% من مباني ومنشآت القطاع، مخلفة أكثر من 61 مليون طن من الركام والأنقاض، في واحدة من أكبر كوارث الدمار الحضري في العالم الحديث. وتوزعت هذه الكميات الضخمة على مختلف محافظات غزة، فيما تحولت أحياء كاملة إلى كتل متشابكة من الإسمنت المحطم والمعادن وبقايا المنازل والمنشآت.

ركام يتجاوز حدود الدمار

ولا يمثل الركام مجرد بقايا أبنية مهدمة، بل خليطًا شديد الخطورة من المواد الكيميائية والمخلفات الحربية والمواد العضوية المتحللة، ما يجعل التعامل معه أكثر تعقيدًا من عمليات إزالة الدمار التقليدية.

الدفاع المدني: 19.2 ألف طن من الذخائر غير المنفجرة داخل الركام تشكل تهديدًا للسكان وفرق الإنقاذ

وفي هذا السياق، يوضح مدير إدارة الدعم الإنساني والتعاون الدولي في جهاز الدفاع المدني الدكتور محمد المغير أن نحو 80% من مباني ومنشآت القطاع تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، ما أدى إلى تراكم قرابة 61 مليون طن من الركام والمخلفات، بينها 55 مليون طن من أنقاض المباني والبنية التحتية، إضافة إلى نحو 6 ملايين طن تحولت إلى غبار وأتربة دقيقة بفعل القصف وحركة الآليات العسكرية الثقيلة.

ويشير المغير إلى أن خطورة الركام لا ترتبط فقط بحجمه، بل بما يحتويه من مواد متفجرة وسامة، إذ تفيد التقديرات بأن نحو 15% من الذخائر التي استخدمها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب لم تنفجر، أي ما يعادل قرابة 19.2 ألف طن من الذخائر غير المنفجرة، فيما تتحدث تقديرات أخرى عن وجود نحو 20 ألف طن من المتفجرات العالقة داخل الركام، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للسكان وفرق الإنقاذ والطواقم الإنسانية.

مواد سامة تحت الأنقاض

ومع استمرار تكدس الأنقاض في المناطق السكنية، تتزايد المخاوف من المواد الخطرة الكامنة داخلها، خاصة في ظل غياب الإمكانات الفنية اللازمة للتعامل الآمن مع الركام.

ويضيف المغير أن أجزاء واسعة من الركام تحتوي على مواد مسرطنة وخطرة، بينها الأسبستوس والمعادن الثقيلة والمخلفات الكيميائية الناتجة عن المصانع والبنية التحتية المدمرة.

وتشير تقديرات رسمية فلسطينية إلى وجود نحو 4 ملايين طن من النفايات الخطرة داخل الركام، بينها نحو 50 ألف طن من مادة الأسبستوس المسرطنة، إضافة إلى أكثر من 100 ألف طن من الأجسام المتفجرة وغير المنفجرة.

وفي ظل غياب خطط فعالة لمعالجة هذه الكميات، تحولت أجزاء واسعة من الركام إلى مكبات عشوائية للنفايات الصلبة والسائلة، خاصة في المناطق القريبة من خيام النازحين والتجمعات السكنية المكتظة، ما فاقم الأزمة البيئية والصحية بصورة غير مسبوقة.

مكبات بين الخيام

ومع انهيار الخدمات البلدية وتوقف عمليات جمع النفايات بشكل منتظم، لم تعد أزمة الركام منفصلة عن أزمة النفايات، بل أصبحتا وجهين لكارثة واحدة تتفاقم يومًا بعد يوم.

ويقول بسام ناصر إن أزمة تراكم الركام والنفايات كانت موجودة قبل الحرب، لكنها تحولت اليوم إلى “كارثة صحية وبيئية خطيرة” مع انهيار منظومة الخدمات البلدية والصحية.

طبيب استشاري: الغازات السامة تُستنشَق وتتسرب إلى التربة، ما يهيئ بيئة لانتشار الأمراض الجلدية والتنفسية والأوبئة

ويوضح ناصر أن المشكلة لم تعد تقتصر على وجود مكبات مركزية معروفة كما في السابق، بل أصبحت كل منطقة تقريبًا تضم نقاطًا متعددة لتكدس النفايات وسط الخيام والمناطق السكنية، لافتًا إلى وجود مكبات ضخمة أُنشئت بصورة عشوائية، من بينها مكب جنوب دير البلح في منطقة “التحلية”، والذي يمتد على مساحة تقدر بنحو 15 دونمًا، بارتفاع يصل إلى سبعة أو ثمانية أمتار، دون أي أسلوب هندسي أو بيئي سليم للتعامل معه أو الحد من مخاطره.

ويضيف أن هذه التراكمات تضم أنواعًا مختلفة من المخلفات، بينها الأجهزة الإلكترونية المدمرة، والمخلفات المعدنية، وبقايا الأطعمة الفاسدة، والحيوانات النافقة، والأدوية منتهية الصلاحية، والمخلفات الطبية، ما يؤدي إلى انبعاث غازات سامة ومركبات كيميائية خطرة تتراكم في الهواء والتربة.

أمراض تتكاثر وسط الركام

ومع امتزاج النفايات بالركام ومياه الصرف الصحي، بدأت المخاطر الصحية بالظهور بصورة متسارعة، خاصة في ظل الاكتظاظ السكاني وغياب الظروف الصحية السليمة داخل مراكز الإيواء ومخيمات النزوح.

ويؤكد ناصر أن الغازات الناتجة عن تحلل النفايات والمواد السامة تنقسم إلى قسمين؛ جزء يتسرب إلى باطن الأرض ويمتصه التراب، ما يهدد بتلوث المياه الجوفية، فيما يتبخر الجزء الآخر في الهواء ليستنشقه السكان والحيوانات، الأمر الذي يفسر الارتفاع الكبير في معدلات الأمراض الجلدية والتنفسية خلال الأشهر الأخيرة.

دراسة :إزالة الركام قد تستغرق أكثر من 37 عامًا في حال استخدام المعدات المتاحة حاليًا في غزة».

ويحذر من أن البيئة الحالية أصبحت خصبة لتكاثر البكتيريا والفيروسات والحشرات والقوارض، مشيرًا إلى انتشار الجرذان بصورة غير مسبوقة في محيط الركام ومكبات النفايات، إلى جانب تجمع الكلاب الضالة التي تتغذى على المواد المتحللة والملوثة.

ويقول إن “الأمراض الجلدية والتنفسية باتت منتشرة بشكل لافت، خاصة بين الأطفال، نتيجة استنشاق الغازات والغبار الملوث، إضافة إلى التلوث الناتج عن تحلل النفايات واختلاطها بمياه الصرف الصحي”.

تهديد يطال المياه والتربة

ولا تتوقف تداعيات الركام عند الهواء الملوث، بل تمتد إلى المياه الجوفية والتربة الزراعية، في ظل اختلاط المخلفات الكيميائية بمياه الصرف الصحي المتدفقة بين الأنقاض.

وفي هذا الإطار، يرى نزار الوحيدي الخبير الزراعي أن الركام بات يشكل بيئة مثالية لتكاثر الجرذان والزواحف والحشرات الطفيلية الناقلة للأمراض، مشيرًا إلى أن بعض هذه الكائنات قد ينقل أمراضًا خطيرة مثل الطاعون والتسممات المختلفة.

ويضيف الوحيدي أن تدمير شبكات الصرف الصحي أدى إلى تدفق المياه العادمة واختلاطها بالمخلفات الكيميائية والمواد السامة الناتجة عن القصف، قبل أن تتجمع أسفل الركام وتتسرب تدريجيًا إلى الخزان الجوفي، ما يهدد بتلوث مصادر المياه ويمثل خطرًا طويل الأمد على الأمن الصحي والغذائي في القطاع.

الفسفور الأبيض والانبعاثات السامة

وإلى جانب الركام التقليدي، يحذر خبراء البيئة من الآثار الخطيرة للذخائر المستخدمة خلال الحرب، خاصة القذائف المحرمة دوليًا وما تخلفه من مواد شديدة السمية.

ويؤكد سعيد العكلوك رئيس قسم صحة البيئة في وزارة الصحة أن الحرب استهدفت “كل مكونات البيئة الفلسطينية”، موضحًا أن استخدام قذائف الفسفور الأبيض تسبب بأضرار بيئية جسيمة تهدد الإنسان والكائنات الحية.

خبير زراعي:الركام بات يشكل بيئة مثالية لتكاثر الجرذان والزواحف والحشرات الطفيلية الناقلة للأمراض، ومنها الطاعون

ويشير العكلوك إلى أن كل 100 متر مربع من الأبنية المدمرة تنتج نحو ألف طن من الركام، فيما تطلق عملية إزالة هذه الكميات نحو 110 أطنان من ثاني أكسيد الكربون المكافئ، ما يعني أن إزالة ركام أكثر من 200 ألف وحدة سكنية مدمرة سيؤدي إلى انبعاثات هائلة من الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

ويرى أن الكارثة البيئية في غزة لم تعد محلية فحسب، بل تحولت إلى أزمة ذات أبعاد إقليمية ومناخية نتيجة حجم الانبعاثات والغبار والمواد السامة المنتشرة في الهواء.

غبار قاتل غير مرئي

ورغم خطورة الأنقاض الظاهرة للعيان، يحذر مختصون من تهديد آخر أقل وضوحًا لكنه أشد خطورة، يتمثل في الجزيئات الدقيقة المنتشرة في الهواء.

فوفق دراسات صحية أُجريت بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، أدى غبار المباني المنهارة إلى أمراض مزمنة ووفيات امتدت لسنوات، نتيجة احتواء الغبار على الخرسانة المسحوقة، والأسبستوس، والسيليكا، والرصاص، والمعادن الثقيلة، ومركبات كيميائية سامة ومسرطنة.

مختص بيئي:كل 100 متر مربع من الأبنية المدمرة ينتج 1000 طن من الركام تطلق إزالته 110 أطنان من ثاني أكسيد الكربون المكافئ.

وتقول آنا رول، الأستاذة المساعدة في كلية جونز هوبكنز للصحة العامة، إن جزيئات الغبار الدقيقة “تتحرك داخل الجسم مثل الغاز”، حيث تستطيع العبور من الرئتين إلى مجرى الدم، مسببة أضرارًا تراكمية خطيرة في أعضاء الجسم المختلفة.

وفي السياق ذاته، يحذر مرصد الصراع والبيئة The Conflict and Environment Observatory من أن الغبار الناتج عن انهيار المباني يحتوي على خليط من الأسمنت والسيليكا والأسبستوس والألياف الصناعية والمعادن الثقيلة، وهي مواد قد تؤدي إلى الإصابة بأمراض تنفسية مزمنة، والانسداد الرئوي، والسرطان، وتغبر الرئة الناتج عن التعرض المستمر للغبار.

سنوات طويلة لإزالة الكارثة

ومع اتساع حجم الدمار، تبدو عملية إزالة الركام مهمة معقدة وطويلة الأمد، خاصة في ظل نقص المعدات الثقيلة واستمرار المخاطر الأمنية والبيئية.

فقد كشفت دراسة أعدها باحثون من جامعة إدنبرة وجامعة أوكسفورد أن إزالة 37 مليون طن من الحطام الخرساني تحتاج إلى أكثر من 2.1 مليون رحلة شاحنة تقطع نحو 29.5 مليون كيلومتر، ما قد ينتج قرابة 90 ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

وتشير الدراسة إلى أن إزالة الركام بالمعدات المحدودة المتوفرة حاليًا في غزة قد تستغرق أكثر من 37 عامًا، فيما يمكن تقليص المدة إلى نحو ستة أشهر فقط إذا توفرت كسارات ومعدات ثقيلة متطورة بكميات كافية.

وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن إزالة الركام في غزة تحتاج إلى تشغيل مئات الشاحنات والآليات الثقيلة يوميًا لسنوات طويلة، بكلفة قد تصل إلى مليارات الدولارات، في وقت يرى فيه خبراء أن التأخر في معالجة الركام يعني تعميق الكارثة الصحية والبيئية، وترك آثارها تتراكم على الأجيال القادمة لعقود طويلة.

وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو أزمة الركام في غزة مجرد ملف خدماتي مرتبط بإزالة الأنقاض وفتح الطرق، بل معركة بقاء ترتبط بصحة الإنسان ومستقبل البيئة والحياة في القطاع بأكمله. فكل يوم تتأخر فيه عمليات المعالجة الآمنة يعني مزيدًا من الغازات السامة، ومزيدًا من التلوث المتسرب إلى المياه والتربة، ومزيدًا من الأمراض التي تهدد ملايين السكان، خاصة الأطفال والنازحين.

ومع محدودية الإمكانات المحلية واستمرار القيود على إدخال المعدات الثقيلة ومواد المعالجة، تبدو غزة أمام تحدٍ بيئي وصحي غير مسبوق، يتطلب تدخلًا دوليًا عاجلًا وخططًا طويلة الأمد لإزالة الركام والتعامل مع النفايات الخطرة وحماية السكان من تداعيات كارثة تتجاوز حدود الدمار الظاهر إلى تهديد عميق للحياة والبيئة في المنطقة بأسرها.

اخبار ذات صلة