قائمة الموقع

«فتح» بعد المؤتمر الثامن.. أزمة تمثيل أم بداية تصدّع داخلي؟

2026-05-19T11:38:00+03:00
الرسالة نت-خاص

لم تنتهِ ارتدادات المؤتمر الثامن لحركة فتح عند حدود إعلان نتائج اللجنة المركزية والمجلس الثوري، بل فتحت الباب واسعاً أمام موجة غير مسبوقة من الانتقادات الداخلية، التي صدرت هذه المرة من كوادر وكتّاب وقيادات فتحاوية، رأت في مخرجات المؤتمر تكريساً لحالة “الهيمنة المركزية”، وتهميشاً واضحاً لقطاع غزة وبعض الأقاليم والساحات الخارجية، في مشهد وصفه كثيرون بأنه الأخطر على بنية الحركة منذ سنوات.

وبينما حاولت قيادة الحركة تقديم المؤتمر بوصفه محطة تنظيمية لتجديد الشرعيات وضخ “دماء جديدة”، جاءت ردود الفعل من داخل البيت الفتحاوي محمّلة بالغضب والمرارة، لا سيما بعد النتائج المتعلقة بتمثيل المحافظات الجنوبية وقطاع غزة في المجلس الثوري واللجنة المركزية.

القيادي الفتحاوي أنور أبو إسماعيل اعتبر أن ما جرى يكشف عن “إجحاف حقيقي في نسبة التمثيل”، مشيراً إلى أن أقاليم الضفة الغربية “حسمت نتائج الانتخابات بتمثيل غير متكافئ مع باقي الأقاليم”، داعياً إلى “إعادة تقييم المؤتمر بشكل عام واستخلاص العبر من أجل استمرارية الحركة”، خصوصاً في ظل “عدم تمثيل ساحة أوروبا في اللجنة المركزية، والتمثيل الخجول للمحافظات الجنوبية، وعدم تمثيل إقليمي الشرقية والوسطى في المجلس الثوري”.

وفي السياق ذاته، أثار الناشط الفتحاوي وسام ميري جدلاً واسعاً بعد مقارنته بين محافظة جنين ومحافظة الوسطى في قطاع غزة، قائلاً إن جنين التي يبلغ عدد سكانها نحو 350 ألف نسمة حصلت على 11 عضواً في المجلس الثوري، بينما لم تحصل المحافظة الوسطى في غزة، التي تضم العدد السكاني ذاته تقريباً، على أي مقعد “صفر صفر صفر”، على حد تعبيره.

أما ضرغام سعدات، فرأى أن من “سلبيات الديمقراطية” خروج أقاليم ومحافظات كاملة بلا تمثيل داخل المجلس الثوري، مطالباً بإضافة أعضاء عن المناطق التي لم تتمثل، وعلى رأسها المحافظة الوسطى.

غضب فتحاوي من “تهميش غزة”

الانتقادات الأكثر حدة تمحورت حول حجم تمثيل قطاع غزة، الذي يعيش حرباً مدمرة وحصاراً متواصلاً، فيما رأى كثير من أبناء الحركة أن نتائج المؤتمر جاءت معاكسة لكل الخطابات الرسمية التي تتحدث باسم القطاع وتضحياته.

الكاتب حسام أبو ستة اعتبر أن نتائج المؤتمر الثامن “تعكس واقعاً مختلفاً تماماً عن الخطابات الرسمية”، مشيراً إلى أن غزة حصلت على أربعة مقاعد فقط من أصل 18 في اللجنة المركزية، بينما جاء أول الفائزين من القطاع في المرتبة التاسعة، دون فوز أي امرأة من غزة بعضوية المركزية.

وأضاف أن ما جرى “لا يبدو مجرد نتائج انتخابية داخلية، بل يعكس استمرار تهميش القطاع داخل مراكز القرار والنفوذ في الحركة”، رغم ما قدمته غزة “سياسياً ووطنياً وبشرياً خلال السنوات الماضية”.

الناشط شادي شحادة ذهب أبعد من ذلك حين وصف ما جرى بأنه “مؤتمر القضاء على حركة فتح”، قائلاً إن “برلمان الحركة” مثّل فيه قطاع غزة، الذي يضم أكثر من 2.3 مليون نسمة، بـ11 عضواً فقط، مقابل تسعة أعضاء لمحافظة جنين وحدها، معتبراً أن القرار الفتحاوي “لن تتأثر به أقاليم غزة بالمطلق”.

أما أبو رامز أبو ركبة فكتب أن النتائج “توحي بأن لا مكان للشرفاء في هذا الوطن”، داعياً “الشرفاء” إلى الخوف على مستقبل الحركة.

أزمة الشرعية الداخلية

ولم تتوقف حالة الاحتقان عند مسألة التمثيل الجغرافي، بل امتدت إلى اتهامات بتجاوز إرادة القواعد التنظيمية، كما حدث في قضية القيادي نعيم مرار.

فقد أصدرت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح – موقع بدرس / منطقة الاستقلال بيان شجب واستنكار، اعتبرت فيه استبعاد نعيم مرار بعد فوزه في انتخابات المجلس الثوري “طعنة في خاصرة العملية الديمقراطية الداخلية للحركة”.

وأكد البيان أن نجاح مرار “تكليف شرعي من القواعد التنظيمية”، محذراً من “سياسة الإقصاء والتهميش المقنّع”، ومطالباً بالتراجع الفوري عن القرار “احتراماً لإرادة الناخبين وصوناً لكرامة الكادر”.

هذا النوع من البيانات، الذي يصدر علناً من أطر تنظيمية داخل الحركة، يعكس – وفق مراقبين – حجم التوتر الداخلي، واتساع الفجوة بين القواعد والقيادة المركزية.

انتقادات غير مسبوقة 

الكاتب والقيادي الفتحاوي بكر أبو بكر قدّم واحدة من أكثر القراءات قسوة لما جرى داخل المؤتمر، عبر مقال مطوّل وصف فيه الحركة بأنها تعيش حالة “أفول تنظيمي” تتجسد في “الاستبداد”، و”الخنوع”، و”محاربة الرأي الآخر”، و”الدوس على النظام الداخلي”، و”إقصاء الكفاءات لصالح الولاءات”.

وأشار أبو بكر إلى أن المؤتمر كشف عن “منطق السيطرة المطلقة للتيار المركزي الحاكم”، وأن التنظيم “تم إفراغه من مضمونه” لمصلحة الولاءات الشخصية والعقل الوظيفي والانتهازي، مضيفاً أن “التنظيم لا يسقط فجأة، بل يأفل تدريجياً عندما تتحول القضية إلى وسيلة للمكاسب بدل أن تكون هدفاً جامعاً للنضال”.

ورغم حدة النقد، شدد أبو بكر على أن الحركة ما تزال – برأيه – “القناة الصالحة لتحرير فلسطين حتى الآن”، داعياً إلى “إصلاح داخلي عميق” قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل.

بدوره، وصف الكاتب عدلي صادق ما جرى بأنه “تنجير خازوق لحركة فتح”، معتبراً أن تركيبة المجلس الثوري خضعت لاعتبارات “المال والحسابات الأمنية والولاءات”، وأن قطاع غزة تعرض لعمليات “شطب بالجملة” لمرشحين ناجحين، قبل إضافة عدد محدود منهم لاحقاً “بضغوط الكواليس”، وفق تعبيره.

أما برهان السعدي، فاعتبر أن عدم نجاح شخصيات مثل حسام زملط، المعروف بحضوره الدبلوماسي والإعلامي، “مؤشر خطير على حاضر ومستقبل الحركة”.

وفي منشور حمل طابعاً شخصياً وسياسياً، كتب الدكتور كمال قديح، أحد المرشحين الذين لم يحالفهم الحظ، أن ما يواسيه هو “الصدق بالعهد لشرقيته”، موجهاً الشكر لكل من دعمه.

بين “الشرعية التنظيمية” وهاجس المستقبل

تكشف السجالات التي أعقبت المؤتمر الثامن عن أزمة أعمق من مجرد نتائج انتخابية، إذ يبدو أن الحركة تواجه أسئلة وجودية تتعلق بطبيعة النظام الداخلي، وآليات اتخاذ القرار، والعلاقة بين القيادة والقواعد، إضافة إلى مستقبل التوازن بين الضفة الغربية وقطاع غزة والساحات الخارجية.

وفي الوقت الذي ترى فيه أطراف داخل الحركة أن ما جرى يعكس “حسماً تنظيمياً” لصالح التيار المهيمن، تخشى أصوات أخرى من أن يؤدي استمرار حالة الإقصاء والتمثيل غير المتوازن إلى مزيد من التآكل الداخلي، في مرحلة تُعد من أكثر المراحل حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية.

وبين بيانات الغضب، ومنشورات الاعتراض، والقراءات السوداوية لمستقبل الحركة، يبدو أن المؤتمر الثامن لم يغلق ملفات “فتح” الداخلية، بل أعاد فتحها على مصراعيها، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الحركة على استعادة وحدتها التنظيمية، وتجديد مشروعها السياسي، والحفاظ على موقعها التاريخي في ظل التحولات الفلسطينية والإقليمية المتسارعة.

اخبار ذات صلة