منذ نحو شهر، يرقد أحمد، الطفل الفلسطيني ذو الأعوام العشرة، فوق فراش إسفنجي مهترئ داخل غرفة خانقة جنوب قطاع غزة، عاجزًا عن الحركة.
كل صباح، تحاول والدته أن ترفع جسده الصغير قليلًا، أن تجعله يجلس، أن تسنده كي يأكل، أو حتى أن تفهم ما الذي حدث له فجأة. لكن جسده المرتخي يعود ليسقط بين ذراعيها بلا مقاومة، فيما تزداد حرارته يومًا بعد آخر.
تقول الأم بصوت مثقل بالخوف والإرهاق:
“مرة يقولون إن ضغطه مرتفع، ومرة منخفض، حرارته لا تنخفض، وهناك ارتخاء في كل جسمه، لكن لا أحد يعرف ما مرضه”.
تنقلت به بين أكثر من مستشفى، لكن الإجابة بقيت واحدة: لا تشخيص واضح.
وتضيف وهي تنظر إلى طفلها الممدد منذ أسابيع:
“ابني بحاجة إلى رنين مغناطيسي، ولا يوجد جهاز رنين في غزة. بحاجة إلى تحويلة للعلاج خارج القطاع. أريد فقط أن أعرف ماذا أصابه”.
حتى بعض المستشفيات – كما تقول – رفضت استقباله بسبب الاكتظاظ وانهيار الخدمات الطبية ونقص الإمكانيات.
قصة أحمد ليست الوحيدة. في غزة، يتحدث أطباء عن أطفال ومرضى يصلون إلى المستشفيات بأعراض غامضة؛ شلل مفاجئ، ارتخاء في الأطراف، ارتفاع حرارة مستمر، وفقدان القدرة على المشي أو الكلام، بينما تقف الطواقم الطبية عاجزة عن تحديد السبب وسط انهيار شبه كامل لمنظومة التشخيص.
وقد حذّرت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة من تسجيل ارتفاع “غير مسبوق” في حالات الشلل الرخو الحاد، في ظل الظروف البيئية والصحية الكارثية التي يعيشها السكان جراء الحرب.
وقالت الوزارة، في بيان صحفي صدر بتاريخ 22 يوليو/تموز 2025، إنها سجلت 45 حالة شلل رخو حاد خلال شهري يونيو ويوليو فقط، مؤكدة أن القطاع يواجه وضعًا صحيًا بالغ الخطورة.
وأوضحت الوزارة أن غياب أدوات التشخيص والفحوصات المتقدمة يجعل تحديد طبيعة هذه الحالات أمرًا بالغ الصعوبة، مشيرة إلى أن بعضها قد يكون مرتبطًا بشلل الأطفال، بينما قد تعود حالات أخرى إلى متلازمة “غيلان باريه”، وهي مرض عصبي نادر يهاجم الأعصاب ويسبب ضعفًا تدريجيًا قد يصل إلى الشلل الكامل وصعوبة التنفس.
ويقول أطباء إن المستشفيات فقدت القدرة على إجراء كثير من الفحوصات الأساسية، بعد تدمير أو توقف أجهزة الرنين المغناطيسي والمختبرات المتخصصة، ما يجعل المرضى “معلقين بين الحياة والموت” دون تشخيص واضح أو علاج مناسب.
ولا تتوقف المخاوف عند الأمراض العصبية فقط، إذ ظهرت تحذيرات من انتشار أمراض نادرة ارتبطت تاريخيًا بالحروب والمجاعات والكوارث البيئية.
من بينها “داء البريميات” أو “الليبتوسبيروز”، وهو مرض بكتيري ينتقل عبر المياه أو التربة الملوثة ببول الفئران والقوارض.
ووفق تقارير طبية، رُصدت حالات بأعراض شديدة داخل القطاع، وسط مخاوف من انتشار المرض بين النازحين بسبب تراكم النفايات، واختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الأمطار، وانتشار القوارض داخل الخيام المكتظة.
كما تحدث أطباء عن ظهور أمراض سوء تغذية نادرة مثل “الكواشيوركور”، الناتج عن نقص البروتين الحاد، إضافة إلى التهابات عصبية وفيروسات معوية غير نمطية بدأت تنتشر بين الأطفال.
ويؤكد مسؤولون صحيون أن الجوع وتلوث المياه وانهيار الصرف الصحي وضعف المناعة خلقوا بيئة مثالية لعودة أمراض اختفت منذ عقود، وظهور حالات جديدة يصعب حتى التعرف إليها.
بالنسبة لوالدة أحمد، لم تعد تبحث عن علاج معقد بقدر بحثها عن إجابة.
تجلس قرب طفلها، تضع يدها على جبينه الساخن، وتحاول أن توقظه كل حين، ثم تقول بصوت خافت: “أريد فقط أن أعرف ماذا أصابه… هل سيتحرك مجددًا؟ هل سيشفى؟”.
في غزة، لم تعد الحرب تقتل بالقصف وحده، بل بأمراض غامضة تنمو في الظل، فيما يواجه الأطباء صعوبة حتى في تسمية ما يفتك بالمرضى.
مرضى معلّقون بين الحياة والموت.. أمراض نادرة وغامضة تفتك بأهل غزة وسط انهيار التشخيص الطبي
الرسالة نت-متابعة