لم تكن نافذة الخيمة التي احتمت بها الشقيقتان الفلسطينيتان تالا وفرح موسى بعد تدمير منزلهما مجرد مساحة تطلان منها على واقع الحرب، بل كانت نقطة الانطلاق الأولى لفكرة غيرت مسار حياتهما.
فمشاهد الدمار والركام التي أحاطت بهما يومياً في قطاع غزة دفعت الشقيقتين للتفكير بطريقة مختلفة؛ كيف يمكن تحويل هذا الخراب إلى شيء قابل للحياة؟ وكيف يمكن أن تصبح الأنقاض التي خلفتها الحرب حجارة لبناء مستقبل جديد؟
وسط النزوح المتكرر والعيش في ظروف إنسانية قاسية، رفضت تالا (17 عاماً) وشقيقتها فرح (15 عاماً) الاستسلام للواقع، وقررتا تحويل المعاناة إلى مشروع بيئي وإنساني مبتكر حمل اسم "بناء الأمل – فلسطين" (Build Hope – Palestine)، لينجح لاحقاً في حصد المركز الأول عن منطقة الشرق الأوسط في النسخة العالمية من "جائزة الأرض 2026".
وتعد "جائزة الأرض" واحدة من أبرز المسابقات البيئية الدولية المخصصة للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و19 عاماً، وهي مسابقة وحاضنة أعمال مقرها في سويسرا، وتستهدف دعم المشاريع التي تقدم حلولاً مبتكرة للتحديات البيئية حول العالم.
من قلب الدمار ولدت الفكرة
تقول تالا موسى إن المشهد الذي كان يحيط بخيمتهما بعد تدمير المنزل كان الدافع الأساسي وراء المشروع، موضحة أن ملايين الأطنان من الركام المنتشرة في غزة لم تعد بالنسبة لهما مجرد رمز للخسارة.
وأضافت:"حتى المشهد من نافذة الخيمة أصبح مصدر إلهام لنا، حاولنا أن نحول شيئاً سلبياً إلى شيء إيجابي، وأن نرى في الأنقاض بداية جديدة لا نهاية".
أما فرح، فتؤكد أن الفكرة جاءت من الحاجة الملحّة لإيجاد حلول محلية في ظل الدمار الهائل الذي تعيشه غزة وتأخر عمليات إعادة الإعمار، مشيرة إلى أن المشروع يمثل محاولة لتعزيز الاعتماد على الذات بدلاً من انتظار المساعدات الخارجية فقط.
كيف يتحول الركام إلى طوب؟
اعتمدت الشقيقتان على فكرة بسيطة ومنخفضة التكلفة، تقوم على إعادة تدوير ركام المنازل المدمرة وتحويله إلى قوالب بناء صديقة للبيئة.
وتبدأ العملية بجمع بقايا الخرسانة والأنقاض من المناطق المدمرة، ثم يتم سحق الحجارة المهشمة وغربلتها للتخلص من الشوائب، قبل خلطها بمواد محلية متوفرة مثل الطين والرماد والقش أو مسحوق الزجاج.
بعد ذلك تُصب الخلطة داخل قوالب خاصة وتترك لتجف تحت أشعة الشمس، لينتج عنها طوب خفيف الوزن ومنخفض التكلفة.
ورغم أن هذه القوالب ليست مخصصة للبناء الحامل للأوزان الثقيلة، إلا أنها عملية للاستخدامات البسيطة مثل الأرصفة والممرات والفواصل الداخلية وأحواض الزراعة.
وقد أجرت الشقيقتان تجارب أولية على المنتج بجوار خيمتهما، حيث استخدمتا القوالب المصنعة لتثبيت خيام الجيران وحمايتها من الرياح والأحوال الجوية القاسية، ما أثبت فعالية الفكرة ميدانياً.
فوز عالمي رغم النزوح
ورغم فقدان النموذج الأولي للمشروع خلال إحدى عمليات النزوح القسري، أصرت الشقيقتان على مواصلة العمل وتطوير الفكرة من جديد.
هذا الإصرار أوصلهما إلى منصة دولية، حيث أصبحتا أول فريق فلسطيني يفوز بلقب "بطل الشرق الأوسط" ضمن "جائزة الأرض"، متفوقتين على آلاف المشاركات من مختلف دول العالم.
وشارك في النسخة الحالية من الجائزة أكثر من 6095 فريقاً من عدة دول، قبل أن يتم اختيار مشروع "بناء الأمل – فلسطين" كأفضل مشروع بيئي شبابي في المنطقة.
وحصلت تالا وفرح على جائزة مالية بقيمة 12,500 دولار أمريكي، تخططان لاستخدامها في توسيع المشروع وتحويله إلى مبادرة مجتمعية تدريبية.
تدريب الشباب على إعادة الإعمار
ولا تنوي الشقيقتان الاكتفاء بالفوز أو الجانب النظري للمشروع، بل تسعيان إلى نقل التجربة إلى الشباب الفلسطيني داخل غزة.
وتخططان لتنظيم ورش عمل تستهدف تدريب نحو 100 شاب وشابة على تقنيات تصنيع الطوب من الأنقاض، بهدف إنتاج ما لا يقل عن 200 طوبة خلال المرحلة التجريبية الأولى.
وترى فرح أن هذه الخطوة يمكن أن تساعد في خلق حلول محلية بسيطة تسهم في إعادة الإعمار الذاتي، خاصة مع حجم الدمار الهائل الذي يعيشه القطاع.
كما حظي ابتكار الشقيقتين بإشادات واسعة من خبراء البيئة والهندسة حول العالم، الذين وصفوا المشروع بأنه نموذج ذكي لإعادة تدوير الأنقاض بطريقة صديقة للبيئة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية.
وأشار مختصون إلى أن إعادة تدوير الركام في الظروف الطبيعية تحتاج غالباً إلى معدات ثقيلة واستهلاك كبير للطاقة، بينما تمكنت الشقيقتان من تطوير آلية بسيطة تعتمد على الموارد المحلية المتوفرة داخل غزة.
كما اعتبر خبراء أن المشروع لا يحمل بعداً إنسانياً فقط، بل يقدم أيضاً حلاً بيئياً عملياً لمواجهة أزمة ملايين الأطنان من الأنقاض المنتشرة في القطاع.
ويأتي هذا الابتكار في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية والبيئية في تاريخه، حيث تشير تقديرات أممية إلى نزوح نحو 1.9 مليون فلسطيني منذ بداية الحرب، مع انتشار ملايين الأطنان من الركام في الشوارع والأحياء المدمرة.
كما تشير تقديرات دولية إلى أن حجم الأضرار المادية في القطاع تجاوز 70 مليار دولار، وسط تعثر جهود إعادة الإعمار واستمرار معاناة السكان في مراكز النزوح والخيام.
ورغم هذا الواقع القاسي، تحاول تالا وفرح تقديم نموذج مختلف للصمود الفلسطيني، يقوم على تحويل أدوات الدمار نفسها إلى وسيلة للبناء.
وبينما ينتظر سكان غزة بدء عمليات الإعمار الكبرى، بدأت الشقيقتان من أمام خيمتهما بوضع أولى اللبنات الصغيرة لمستقبل تأملان أن يكون أكثر أمناً واستقراراً، لتتحول الأنقاض التي خلفتها الحرب إلى حجارة تحمل معنى جديداً للحياة والأمل.