لم تكن الأمواج وحدها ما يواجهه “أسطول الصمود العالمي” في طريقه إلى غزة.
كل قارب غادر السواحل التركية هذا الأسبوع كان يحمل فوق سطحه ذاكرة ثقيلة من الاعتراضات والمطاردات والاعتقالات، لكن أحداً لم يتراجع.
مع ساعات صباح الخميس، بدأت عشرات القوارب تشق البحر المتوسط من ميناء مرمريس التركي، في محاولة جديدة لكسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة. على متنها قرابة 500 ناشط من 45 دولة، بينهم أطباء وصحافيون وحقوقيون ووجوه عادت مجدداً إلى البحر رغم أن الرحلات السابقة انتهت بالملاحقة والاحتجاز والترحيل.
المشهد يبدو أقرب إلى تحدٍ مفتوح أكثر منه رحلة بحرية.
أعلام فلسطين ترتفع فوق القوارب الصغيرة، وصفارات الوداع تتداخل مع هتافات النشطاء الذين يعرفون جيداً أن الطريق إلى غزة سبواجه بالاعتراض الإسرائيلي في أي لحظة.
قبل أقل من ثلاثة أسابيع، انتهت محاولة مشابهة قبالة جزيرة كريت اليونانية، حين اعترضت القوات الإسرائيلية أكثر من 20 قارباً واحتجزت عشرات النشطاء في المياه الدولية. المشاركين خرجوا من التجربة محملين بروايات عن التحقيقات والضرب والعزل، لكنهم عادوا مرة أخرى إلى البحر، وكأن الفشل السابق لم يكن سبباً للتراجع، بل دافعاً لمحاولة جديدة.
من بين هؤلاء كان سيف أبو كشك، الناشط الفلسطيني الحامل للجنسيتين الإسبانية والسويدية، الذي اعتُقل في المحاولة الماضية قبل ترحيله. وكذلك البرازيلي تياجو أفيلا الذي تحدث لاحقاً عن التعذيب وسوء المعاملة خلال احتجازه. لكن أسماء كهذه لم تتحول إلى تحذير لبقية المشاركين، بل إلى قصص تشجع المزيد على الصعود إلى القوارب.
يعرف منظمو الأسطول أن فرص الوصول الكامل إلى غزة ليست مضمونة، وربما مستحيلة، لكنهم يقولون إن الرحلة بحد ذاتها أصبحت رسالة. فكل مرة تبحر فيها هذه القوارب، يعود الحصار إلى واجهة العالم، وتعود غزة إلى نشرات الأخبار بعد أن حاولت الحرب تحويل مأساتها إلى مشهد اعتيادي.
في عرض البحر، لا يحمل النشطاء أسلحة ولا يملكون قوة بحرية تحميهم. يحملون فقط مساعدات غذائية وطبية ورسائل تضامن، وبعض القوارب الصغيرة التي تبدو هشة أمام سفن عسكرية مدججة. ومع ذلك يواصلون الإبحار، كأنهم يريدون القول إن البحر الذي أغلقه الاحتلال يمكن أن يفتحه الإصرار الإنساني.
بالنسبة لكثيرين على متن الأسطول، ليست القضية في الوصول وحده، بل في الاستمرار بالمحاولة.
فالحصار الذي استمر سنوات طويلة لم يعد مجرد إجراء عسكري بالنسبة لهم، بل اختبار أخلاقي للعالم كله: هل يمكن لمدينة محاصرة أن تُترك وحدها إلى هذا الحد؟
ولهذا، يعود الأسطول مرة بعد أخرى، وكلما أُوقف، أبحر من جديد.