لم يكن عز الدين الحداد مجرد اسمٍ لقائد، بل أحد أكثر القادة الغامضين حضورًا في ذاكرة غزة. رجلٌ ظهر قليلًا، لكنه بقي حاضرًا في كل جولة حرب، حتى صار يُعرف بلقب “شبح القسام”، ذلك اللقب الذي التصق به بعد نجاته المتكررة من محاولات الاغتيال (الإسرائيلية)، واختفائه الطويل عن أعين الاحتلال رغم المطاردة المستمرة.
ولد الحداد، المعروف بـ“أبو صهيب”، في مدينة غزة، وعاش سنوات الانتفاضة والحصار والحروب المتعاقبة، حتى أصبح أحد أبرز القادة العسكريين في كتائب الشهيد عز الدين القسام.
تنقّل بين مواقع ميدانية مختلفة، قبل أن يتولى قيادة لواء غزة، ويُصبح لاحقًا أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري للقسام.
عرفه الاحتلال باعتباره من العقول التي أدارت معارك معقدة داخل مدينة غزة، فيما عرفه الفلسطينيون كرجلٍ ظل حاضرًا في الميدان رغم القصف والملاحقة.
وعلى مدار سنوات، أعلنت (إسرائيل) أكثر من مرة محاولات للوصول إليه، لكن اسمه كان يعود في كل مرة، وكأن نجاته المتكررة صنعت حوله هالة “الشبح” الذي يصعب اصطياده.
ومع تصاعد الحرب الأخيرة على غزة، عاد اسم الحداد بقوة إلى الإعلام (الإسرائيلي)، الذي وصفه بأنه من أبرز المطلوبين بعد اغتيال عدد من قادة القسام. وفي مايو/أيار 2026، وبالأمس أعلن الاحتلال تنفيذ غارة استهدفته في مدينة غزة، في قصفٍ عنيف خلّف شهداء وجرحى من المدنيين، قبل أن تعلن عائلته عن استشهاده.
وعلى امتداد 39 عامًا من الجهاد والصبر، شكّل عز الدين الحداد واحدًا من أبرز الوجوه العسكرية التي رافقت مسيرة كتائب القسام منذ سنواتها الأولى. انضم إلى الكتائب وهو في السابعة عشرة من عمره، وتدرّج بين ساحات القتال ومواقع القيادة، حتى أصبح فعليًا القائد الوحيد المتبقي من المنظومة العسكرية القديمة، حاملاً إرث سنوات طويلة من المواجهة والعمل السري والتنظيمي.
لكن الخبر، بالنسبة لعائلته، لم يكن نهاية الحكاية.
خرجت شقيقته بكلماتٍ حملت مزيجًا من الفقد والفخر، وقالت: “الحمد لله الذي شرّفنا باستشهاد شقيقي أبو صهيب… يستشهد شقيقي فيأتي بعده عشرات الأبطال، لأن مقاومتنا ولّادة. المقاومة لن تموت رغم أنف نتنياهو، ولا يفرح باغتيال أخي أو اغتيال أحد من القادة.”
تحوّل تصريحها سريعًا إلى كلمات يتداولها الفلسطينيون باعتبارها تلخيصًا لفكرةٍ أوسع من شخص واحد؛ فكرة أن القادة يُغتالون، لكن الفكرة التي يحملونها تبقى حيّة؛ حيث تُصبح الأسماء جزءًا من ذاكرة المدينة. بعضهم يرحل تاركًا صورة، وبعضهم يترك سيرةً كاملة من المطاردة والنجاة والقتال. أما عز الدين الحداد، فقد بقي حتى اللحظة الأخيرة الرجل الذي حاول الاحتلال الوصول إليه سنوات طويلة، وحين أعلن اغتياله، كان "شبح القسام" قد سبق الخبر بسنوات من الحضور في الميدان؛ واستشهد كما عاش، حاضرًا في قلب المعركة.