قائمة الموقع

مقال: قراءة في سمات القيادة العامة لكتائب القسام

2026-05-16T14:10:00+03:00
رامي الشقرة خبير وباحث سياسي


‏على امتداد التجربة العسكرية لـ كتائب الشهيد عز الدين القسام، لم تكن القيادة مجرد منصب تنظيمي، بل تعبيرًا عن تحولات في العقل المقاوم نفسه. كل قائد مثّل مرحلة، وكل مرحلة فرضت سماتها على شكل القائد المطلوب. لذلك فإن قراءة هذه الشخصيات بعمق لا تتم عبر السيرة الذاتية فقط، بل عبر فهم “الوظيفة التاريخية” التي أدّاها كل واحد منهم داخل مسار الصراع.

‏القائد العام الأول الشهيد ياسر النمروطي
‏يمثل جيل “التأسيس الصامت”، الجيل الذي عمل قبل تشكل البنية العسكرية الصلبة للمقاومة الإسلامية. في تلك المرحلة، لم تكن المعركة مع الاحتلال معركة نار فقط، بل معركة بناء الثقة، وصناعة النواة الأولى، وتجاوز الخوف المجتمعي من فكرة التنظيم المقاوم بعد سنوات القمع والملاحقة. شخصيات هذا الجيل كانت أقرب إلى “مهندسي البدايات”، يعملون في الظل، ويؤسسون لفكرة أن المقاومة ليست رد فعل عاطفيًا، بل مشروعًا طويل النفس يحتاج إلى بنية أخلاقية وتنظيمية وعقائدية.

‏القائد العام  الثاني محمد الضيف
‏الضيف ليس مجرد قائد عسكري، بل ظاهرة أمنية ونفسية واستراتيجية. شخصيته تشكلت تحت منطق “البقاء في قلب المطاردة”، حتى أصبح الغموض جزءًا من سلاحه. ما ميّزه ليس فقط التخطيط العملياتي، بل القدرة على تحويل الضعف إلى أدوات استنزاف طويلة الأمد. في تجربته، لم تعد المقاومة مجرد فعل دفاعي، بل محاولة لإعادة تشكيل معادلات الردع نفسها. يمكن وصفه بأنه قائد “الخيال العسكري غير المتكافئ”، أي القائد الذي يبحث دائمًا عن نقطة العجز في منظومة القوة الإسرائيلية، لا عن مواجهتها بشكل تقليدي. لهذا ارتبط اسمه بتطوير الأنفاق، والضربات المركبة، والعمل التراكمي البطيء الذي راكم أثره عبر سنوات. 

‏القائد العام الثالث الشهيد صلاح شحادة
‏يمكن توصيفه بأنه “مهندس التحول من الحالة إلى المؤسسة”. قبل شحادة، كانت المقاومة الإسلامية أقرب إلى مجموعات متناثرة تضرب ثم تتوارى، أما معه فبدأ التحول نحو بناء جهاز عسكري منظم يمتلك تسلسلاً قياديًا، وانضباطًا، وبنية تصنيع، وعقيدة اشتباك واضحة. شخصيته لم تكن قائمة على الخطابة أو الحضور الإعلامي، بل على عقلية البنّاء العسكري الذي يفكر في الاستدامة أكثر من الحدث الآني. لذلك استهدفته إسرائيل باعتباره خطرًا بنيويًا، لا مجرد قائد ميداني. اغتياله عام 2002 لم يكن اغتيال فرد فقط، بل محاولة لقطع المسار المؤسسي للمقاومة.

‏القائد العام الرابع الشهيد محمد السنوار
‏يمثل نموذج “القائد التنفيذي الصلب”، أي الشخصية التي تعمل داخل التفاصيل اليومية الثقيلة للحرب والتنظيم. يُنظر إليه بوصفه ابن مدرسة الميدان المباشر، حيث تتداخل الإدارة العسكرية مع الأمن الداخلي والانضباط التنظيمي. شخصيات كهذه تظهر غالبًا في المراحل التي تحتاج فيها الحركات المسلحة إلى قدرة عالية على الصمود الإداري والنفسي، لا فقط الجرأة القتالية. في بيئات الاستنزاف الطويل، يصبح هذا النوع من القادة ضروريًا للحفاظ على تماسك البنية الداخلية تحت الضغط.

‏القائد العام الخامس الشهيد عز الدين الحداد
‏يعكس صورة “القائد الميداني الشبكي”، أي القائد الذي يعمل ضمن بنية عسكرية أصبحت أكثر تعقيدًا ولامركزية بعد سنوات الحرب والاختراقات والاغتيالات. هذا الجيل من القادة تشكل في بيئة مختلفة عن جيل التأسيس، بيئة تعتمد على المرونة، وسرعة إعادة التموضع، وإدارة الوحدات المتفرقة تحت القصف والحصار. لذلك تبدو شخصياته أقل ظهورًا إعلاميًا، لكنها أكثر التصاقًا بفكرة “إدارة البقاء القتالي” في ظروف شديدة التعقيد.

‏الملفت في هذه السلسلة القيادية أن تطورها يعكس تطور المقاومة نفسها:
‏من “فكرة مقاومة”، إلى “تنظيم”، ثم إلى “مؤسسة عسكرية”، ثم إلى “بنية قادرة على الاستمرار رغم الاستنزاف”.

‏وهنا تظهر نقطة غالبًا ما يغفلها كثيرون في قراءة حركات التحرر:

القائد الحقيقي في البيئات المطاردة لا يُقاس فقط بعدد العمليات أو الخطابات، بل بقدرته على ضمان استمرار الفكرة بعده. لأن أخطر ما تواجهه حركات التحرر ليس الهزيمة العسكرية المباشرة، بل الانقطاع التاريخي، أي كسر سلسلة التراكم بين الأجيال.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00