قائمة الموقع

مقال: غزة ..تتويج النكبة

2026-05-16T13:27:00+03:00
محمد شاهين

جغرافيا الدم وخرائط التوسع الاستيطاني جعل نكبة 1948 ليس حدثا طارئا بل كانت تتويجا لمخطط صهيوني غربي إمبريالي استهدف تفتيت المنطقة وإشاعة الفوضى الخلاقة لتمزيق المشرق العربي وزرع كيان غاصب في قلب الأمة ليكون رأس حربة للهيمنة الاستعمارية على مقدرات المنطقة وثرواتها وقد استخدمت العصابات الصهيونية الإرهاب المنظم والتطهير العرقي الممنهج لتفريغ فلسطين من سكانها الأصليين تحت ذرائع أمنية واهية واليوم في غزة تعيد آلة الحرب الإسرائيلية إنتاج المشهد ذاته ولكن بأدوات أكثر دموية وتقنية متطورة حيث تقوم قوات الاحتلال بعمليات إبادة جماعية ضد المدنيين العزل وتدمير المستشفيات والمدارس والبنى التحتية المدنية بذريعة محاربة المقاومة في عملية توسع جيوسياسي تستهدف تفريغ القطاع من البشر تمهيدا لضمه ضمن إطار المشروع التوسعي للكيان الذي لا يعترف بالحدود بل يلهث وراء وهم إسرائيل الكبرى في ظل غطاء أمريكي مطلق يحول القطاع إلى مختبر للأسلحة المحرمة دوليا ومسرح لجريمة العصر التي يندى لها جبين الإنسانية وحده التاريخ سيحكم على الجناة.

فقه القوة وإعدام الشرعية الدولية
توازي الجريمة العسكرية جريمة قانونية أشد بشاعة إذ عملت القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة على إفراغ القانون الدولي من مضمونه وتحويل مجلس الأمن إلى منصة لحماية الاحتلال حيث استخدمت حق النقض ستين مرة لإجهاض أي مساءلة للكيان الغاصب في حين قننت المنظمات الدولية ازدواجية معايير صارخة جعلت من القضية الفلسطينية استثناء عن قواعد العدالة وعمدت إلى تكريس خطاب إدانة متبادل لا يغير في الواقع شيئا بينما واصل الكيان بناء مستوطناته غير القانونية وضم الأراضي في استهانة مطلقة بالشرعية الدولية ليكرس مبدأ أن القوة وحدها تصنع الحق في نظام عالمي يدار بمنطق الغاب وعلى الصعيد السياسي كرست اتفاقيات أوسلو ومسار التسوية  حارب خيار التحرير الوطني وأدخل القضية في نفق التنسيق الأمني الذي حول الأجهزة الأمنية إلى درع واق للاحتلال بدلا من أن تكون رأس حربة المقاومة وهذا الانهيار السياسي الممنهج يفسر العجز العربي الرسمي الذي بلغ حد التواطؤ والتطبيع العلني مع العدو في مأساة تعكس حالة الاستلاب السياسي والتبعية المريعة التي حولت بعض الأنظمة العربية إلى أدوات وظيفية في يد المشروع الصهيو-أمريكي لتكريس التقسيم والهيمنة وإجهاض حق تقرير المصير عبر مشاريع التهويد والضم الزاحف الذي يلتهم ما تبقى من أرض فلسطين.

حرب التجويع وهندسة الهجرة القسرية شكل الحصار الاقتصادي الخانق على قطاع غزة منذ العام 2007 الوجه الأبشع لجريمة النكبة المستمرة حيث تفرض إسرائيل نظاما اقتصاديا عقابيا يقوم على التحكم بكل منافذ الحياة من مياه وكهرباء ودواء وغذاء لتحويل القطاع إلى سجن كبير يستحيل فيه العيش فيمارس الاحتلال سياسة التجويع كأداة حرب مقصودة تهدف إلى دفع السكان إلى الهجرة القسرية تحت وطأة المجاعة المدبرة وبموازاة ذلك تم تفكيك البنية الاقتصادية الفلسطينية بالكامل فحولت الحرب المتكررة القطاع إلى كتلة من الدمار أفقدت مئات الآلاف مصادر رزقهم وزجت بنسبة تتجاوز تسعين بالمئة من السكان تحت خط الفقر في جريمة اقتصادية ممنهجة تستهدف إفقار الجماعة الوطنية وتدمير قدرتها على الصمود وخلق واقع اجتماعي متفجر يختل فيه النسيج المجتمعي تحت ضغط العوز والبطالة المقننة بهدف تصفية القضية عبر تجفيف منابع الحياة فلم تعد التنمية البشرية ممكنة في ظل تدمير البنى التحتية وتحويل غزة إلى ركام يجعل الحياة مستحيلة كي يتحقق الحلم الصهيوني بترحيل الفلسطينيين طوعا أو كرها في جريمة تطهير عرقي بالأدوات الاقتصادية وبات القطاع نموذجا صارخا للتمييز العنصري الذي يحرم الفلسطيني من الحق في الحياة الكريمة ليصبح البقاء على قيد الحياة فعلا مقاوما بحد ذاته في مواجهة آلة الموت الإسرائيلية التي لا تفرق بين عسكري ومدني وتستهدف الأطفال والنساء في مشهد يفضح همجية الاحتلال.

الذاكرة المحروقة وسردية البقاء
في موازاة الإبادة الجسدية تمارس إسرائيل إبادة ثقافية ممنهجة تستهدف محو الذاكرة الفلسطينية وتشويه الرواية وفرض السردية التوراتية المزعومة القائمة على أرض بلا شعب لشعب بلا أرض حيث تعمدت آلة الدمار في حرب 1948 إلى تدمير القرى والأرشيفات والمكتبات وفي حربها على غزة قصفت الجامعات والمراكز الثقافية لتقتل الذاكرة قبل البشر لكن المقاومة الثقافية تحولت إلى جبهة موازية في الصراع فباتت لوحة الفنان التشكيلي وقصيدة الشاعر ورواية الأديب وسيلة لتثبيت الحق وتوثيق الجريمة في مواجهة آلة التزييف الإعلامي الغربية التي تحاول إضفاء الشرعية على المحتل فالمفتاح الذي يحتفظ به اللاجئ ليس مجرد قطعة حديد صدئة بل هو وثيقة ملكية سياسية وقانونية تؤكد أن حق العودة ليس حلما طوباويا بل حق وجودي مقدس ستظل الأجيال تتوارثه إلى أن تتحقق العودة الكبرى أو يتحقق الوعد الإلهي بزوال هذا الكيان الغاصب لأن المعركة الحقيقية هي معركة الوعي والتاريخ التي ستنتصر فيها الحقيقة على الزيف في نهاية المطاف وهكذا تتحول غزة من مجرد جغرافيا محاصرة إلى أيقونة للصمود والتحدي في سردية النضال الإنساني.

اخبار ذات صلة