قائمة الموقع

الاحتلال أغلق الأبواب.. والمرابطون فتحوا الطريق.. . 75 ألف مصلٍّ يُفشلون مخطط اقتحام الأقصى

2026-05-16T10:07:00+03:00
الرسالة نت-خاص

منذ ساعات الفجر الأولى ليوم أمس الجمعة؛ بدت القدس وكأنها تُحبس داخل طوقٍ ثقيل من الحديد والخوف.
الحواجز العسكرية انتشرت في الطرقات، والشرطة الإسرائيلية أغلقت أبواب البلدة القديمة، فيما تدفقت مجموعات المستوطنين نحو الأزقة الضيقة وهي ترفع الأعلام الإسرائيلية وتردد هتافات عنصرية مثل: “الموت للعرب” و”سنقيم هيكلنا مكان مسجدكم”.
لكن خلف هذا المشهد الصاخب، كان هناك مشهد آخر يتشكل بصمت؛ آلاف الفلسطينيين الذين قرروا الوصول إلى المسجد الأقصى مهما كانت القيود.
وافقت ما تسمى بالذكرى العبرية لاحتلال القدس هذا العام يوم الجمعة 15 أيار/مايو 2026، وهو تقاطع تعاملت معه سلطات الاحتلال ومنظمات “الهيكل” باعتباره فرصة تاريخية لفرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى، مستفيدة من سوابق خطيرة فرضتها خلال الحرب الأخيرة، شملت إغلاق المسجد أربعين يومًا متواصلًا، ومنع خمس صلوات جمعة متتالية، ومنع صلاة التراويح والاعتكاف وصلاة عيد الفطر، في مشهد غير مسبوق منذ احتلال القدس عام 1967.
وقبل أيام؛  بدأت منظمات “الهيكل” حملة ضغط علنية لفرض اقتحام المسجد الأقصى يوم الجمعة.
وقع 35 سياسيًا إسرائيليًا عريضتين لدعم الاقتحام، بينهم 19 نائبًا من حزب الليكود الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو، في مؤشر واضح على وجود غطاء سياسي لمحاولة فرض سابقة جديدة في الأقصى.
وفي صباح الخميس 14 مايو، اقتحم 1412 مستوطنًا المسجد الأقصى على فترتين صباحية وظهرية، فيما اعتُبر “اقتحامًا تعويضيًا” عن الجمعة. لكن الأعداد بدت أقل من السنوات السابقة، بعدما بلغ عدد المقتحمين 2092 في عام 2025 و1601 في 2024، ما عكس إصرار جماعات “الهيكل” على أن يكون الاقتحام الحقيقي يوم الجمعة لا الخميس.
ورغم ذلك بدأت يوم الخميس بمحاولات الشرطة الإسرائيلية تحويل المسجد إلى مساحة فارغة تمامًا للمستوطنين.
منعت الرجال دون سن الستين والنساء دون الخمسين من الدخول، واعتدت على المصلين بالدفع والضرب والملاحقة. كما أغلقت البلدة القديمة أمام الفلسطينيين باستثناء سكانها، ولم يتجاوز عدد المصلين في ساعات الصباح الأولى 150 مصلّيًا، بينما دخل 200 مستوطن خلال الساعة الأولى فقط.
أُجبر المصلون وموظفو الأوقاف على البقاء داخل المصليات المسقوفة، بينما خلت الساحات للمستوطنين الذين رفعوا الأعلام الإسرائيلية بالعشرات، وأدوا طقوس “السجود الملحمي” الجماعي، وأقاموا حلقات غنائية ودروسًا تلمودية قادها الحاخام يهودا جليك وحاخامات آخرون من “مدرسة جبل الهيكل”.
وفي الساحة الشرقية للمسجد، بدا المشهد وكأن الاحتلال يحاول تكريس المنطقة ككنيس يهودي غير معلن، تحت حماية كاملة من الشرطة.
شارك في الاقتحامات وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير النقب والجليل إسحاق فاسرلاوف، إلى جانب أعضاء كنيست من حزبي “القوة اليهودية” و”الليكود”.
وقف بن غفير أمام قبة الصخرة يرفع العلم الإسرائيلي ويغني مع المستوطنين، بينما شارك عضو الكنيست يتسحاق كرويزر مع والده الحاخام يهودا كرويزر في طقس “السجود الملحمي”، في استعراض غير مسبوق لما تسميه الجماعات الاستيطانية “السيادة الإسرائيلية” على الأقصى.
وفي المساء، اجتاحت “مسيرة الأعلام” شوارع القدس القديمة.
انطلقت من محيط “حديقة الاستقلال” المقامة على أنقاض مقبرة مأمن الله الإسلامية، ثم طافت حول أبواب البلدة القديمة قبل أن تقتحمها وسط اعتداءات على الفلسطينيين ومحالهم التجارية، وترديد شعارات عنصرية، بينما كانت الأعلام الزرقاء تغطي الأزقة الحجرية القديمة.
ثم أتى صباح الجمعة الذي حمل مشهدًا مختلفًا تمامًا.
آلاف المستوطنين تجمعوا في ساحة الإمام الغزالي قرب باب الأسباط وأقاموا طقوسًا احتفالية وغنائية تحت حماية الشرطة، في سابقة هي الأولى من نوعها يوم جمعة منذ احتلال القدس.
وفي المقابل، بدأت موجات الفلسطينيين بالتدفق نحو المسجد الأقصى من كل الطرق الممكنة.
شبان التفوا عبر الأزقة، رجال كبار تحدوا الحواجز، نساء جلسن قرب الأبواب المغلقة يقرأن القرآن، وعائلات كاملة قررت أن معركة هذا اليوم هي الوصول إلى المسجد مهما كانت النتيجة.
أغلقت الشرطة بابَي الأسباط والملك فيصل، وضيقت على المصلين، فيما تجول آلاف المستوطنين في البلدة القديمة على أمل اقتحام المسجد إذا سنحت الفرصة.
لكن الفرصة لم تأتِ.
فمع حلول صلاة الجمعة، كان نحو 75 ألف مصلٍّ قد امتلأت بهم ساحات الأقصى ومصلياته وأروقته الحجرية.
ارتفعت تكبيرات الفلسطينيين أعلى من هتافات المستوطنين، وتحول الحضور البشري الهائل إلى خط دفاع حقيقي أسقط محاولة فرض “اقتحام الجمعة”.
بقي آلاف المصلين داخل المسجد حتى صلاة المغرب، ولم تتمكن سلطات الاحتلال من تمرير الاقتحام الذي سعت إليه منظمات “الهيكل” طوال أسابيع.
في تلك اللحظة، بدا المشهد وكأن القدس كلها تتنفس من جديد.
لم يكن الانتصار عسكريًا، ولا سياسيًا، بل كان انتصار الحضور والثبات والرباط؛ انتصار عشرات آلاف الفلسطينيين الذين فهموا أن بقاءهم داخل الأقصى هو المعركة نفسها.
ورغم أن الاعتداءات كشفت تصعيدًا غير مسبوق في محاولات فرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى، فإن يوم الجمعة انتهى برسالة معاكسة تمامًا لما أراده الاحتلال:
أن المسجد الذي حاولوا عزله وإفراغه لأشهر، ما زال قادرًا على الامتلاء بأهله… وأن 75 ألف مصلٍّ استطاعوا، بأجسادهم وتكبيراتهم، أن يمنعوا سقوط سابقة خطيرة في تاريخ الأقصى.

اخبار ذات صلة