قائمة الموقع

كيف تُعاد صناعة رواية “الاغتصاب الجماعي” في 7 أكتوبر رغم انهيار الأدلة؟

2026-05-15T05:55:00+03:00
الرسالة نت- متابعة

في واحدة من أكثر الحملات الإعلامية والسياسية إثارة للجدل منذ بداية الحرب على غزة، عادت مزاعم “الاغتصاب الجماعي” في أحداث السابع من أكتوبر إلى الواجهة مجددًا، عبر تقرير ضخم حمل عنوان «لم نعد صامتات»، صدر عن ما يسمى “اللجنة المدنية” الإسرائيلية.

ورغم أن وسائل إعلام غربية كبرى سارعت إلى الترويج للتقرير باعتباره “اختراقًا تاريخيًا” و”أوسع توثيق للعنف الجنسي”، فإن قراءة متأنية لمضمونه تكشف أن ما جرى ليس كشفًا جديدًا بقدر ما هو إعادة تدوير لروايات قديمة، سبق أن تعرض كثير منها للتفنيد أو التشكيك أو حتى السقوط الكامل.

وبحسب تقرير مطول نشره موقع الانتفاضة الإلكترونية للصحفي علي أبو نعمة، فإن التقرير الجديد الذي يقع في نحو 300 صفحة يعتمد بصورة كبيرة على شهادات غير مباشرة، وروايات مجهولة المصدر، واستنتاجات بلا أدلة جنائية حاسمة، إضافة إلى شهادات سبق أن وُصفت داخل الإعلام الإسرائيلي نفسه بأنها “متناقضة وغير موثوقة”.

ورغم ذلك، تلقفته المؤسسات الإعلامية الغربية الكبرى بوصفه “دليلًا دامغًا”، دون إخضاعه للمستوى ذاته من التدقيق الذي يُفرض عادة على أي رواية فلسطينية أو حتى على توثيق الجرائم الإسرائيلية بحق المدنيين في غزة.

لا أدلة حاسمة

صحيفة “ديلي ميل” البريطانية تحدثت عن “كشف كامل لأول مرة لوحشية لا يمكن تخيلها”، بينما وصفت شبكة CNN التقرير بأنه “محطة مفصلية”، واستضافت معدته الرئيسية باعتبارها خبيرة موثوقة.

أما BBC فقد وصفته بأنه “أكثر التقارير شمولًا” حول “الاغتصاب والتعذيب الجنسي” في السابع من أكتوبر.

لكن المفارقة أن التقرير نفسه – رغم ضخامته – لا يقدم عددًا واضحًا للضحايا، ولا قائمة موثقة للحالات، ولا شهادات مباشرة موثوقة لنساء قلن إنهن تعرضن للاغتصاب.

بل إن إحدى أكبر الثغرات التي لاحقت الرواية الإسرائيلية منذ البداية لا تزال قائمة حتى اليوم: أين الضحايا؟، وأين الأدلة الجنائية؟، وأين الشهادات المباشرة القابلة للتحقق؟

التقرير يقر ضمنيًا بأنه لا يملك إجابات واضحة، و“اللجنة المدنية” نفسها تواجه أزمة مصداقية، وبالإشارة إلى أن التقرير صادر عن هيئة أسستها الباحثة الإسرائيلية كوخاف إلكيام ليفي بعد أحداث السابع من أكتوبر مباشرة، لكن هذه اللجنة تعرضت لانتقادات حادة حتى داخل "إسرائيل".

فبحسب موقع يديعوت العبري، اشتكى مسؤولون حكوميون من أن اللجنة نشرت قصصًا ثبت لاحقًا أنها مختلقة، بينها رواية “شق بطن امرأة حامل”، وهي القصة التي جرى تداولها عالميًا قبل أن يتبين عدم صحتها.

كما اتُّهمت إلكيام ليفي باستخدام صور مضللة، بينها صورة قديمة لمقاتلة كردية قُتلت في دولة أخرى، جرى تقديمها وكأنها من ضحايا أحداث أكتوبر.

بل إن بعض المصادر الإسرائيلية وصفت منهجية اللجنة بأنها “غير احترافية” و”تضر بمصداقية إسرائيل نفسها”.

ورغم ذلك، حظيت اللجنة بدعم مالي وسياسي واسع من مؤسسات داعمة لإسرائيل، إضافة إلى تمويل ألماني رسمي، ودعم من شخصيات سياسية وإعلامية بارزة.

لا ضحايا موثقين

أخطر ما يكشفه التقرير، هو غياب أي شهادة مباشرة موثقة لامرأة إسرائيلية تقول إنها تعرضت للاغتصاب في السابع من أكتوبر داخل المستوطنات أو المواقع التي شهدت الهجوم.

بل إن التقرير نفسه يعترف بأنه “لا توجد ناجيات معروفات من الاعتداءات الجنسية” في هجمات الكيبوتسات، باستثناء من تم أسرهن ونقلهن إلى غزة.

ورغم ذلك، يستمر التقرير في الحديث عن “نمط واسع ومنهجي من الاغتصاب الجماعي”.

وفي يناير 2025، أقر مدعٍ عام إسرائيلي بأنه لا توجد حتى تلك اللحظة أي شكاوى رسمية مباشرة في قضايا الاغتصاب المزعومة المرتبطة بالسابع من أكتوبر.

هذه الفجوة الجوهرية حاول التقرير تجاوزها عبر الحديث عن “الخصوصية” و”حماية العائلات”، لكن منتقديه يرون أن ذلك لا يفسر غياب شهادات أولية مجهولة الهوية، وهي ممارسة معتادة في تقارير حقوق الإنسان الدولية.

لا تسجيل واحد

التقرير يزعم أن معدّيه فحصوا أكثر من 10 آلاف صورة ومقطع فيديو، بإجمالي 1800 ساعة من المواد المصورة.

لكن اللافت أنه لا يوجد – وفق التقرير نفسه – أي فيديو موثق يُظهر عملية اغتصاب واحدة.

وهنا تظهر مفارقة كبيرة، ففي عصر الهواتف والكاميرات والطائرات المسيّرة، ومع الكم الهائل من المواد المصورة التي قالت "إسرائيل" إنها حصلت عليها، لا يزال الادعاء الأخطر في الرواية الإسرائيلية بلا دليل بصري واحد.

حتى تقرير الممثلة الخاصة للأمم المتحدة براميلا باتن الصادر في مارس 2024، وبعد مراجعة آلاف الصور والفيديوهات التي قدمتها "إسرائيل"، أكد أنه لم يتم العثور على “مؤشرات ملموسة على حدوث عمليات اغتصاب” في المواد المرئية المتاحة.

كما كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية نفسها لم تعثر على تسجيلات توثق عمليات اغتصاب فعلية.

إعادة تدوير روايات سبق تفنيدها

التقرير يعيد استخدام شهادات مثيرة للجدل سبق أن ظهرت في تقرير “صرخات بلا كلمات” الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز أواخر عام 2023، والذي تعرض لاحقًا لانتقادات واسعة بسبب ضعف التحقق وتناقض الشهادات.

ومن بين الأسماء التي يعيد التقرير الاعتماد عليها، شهود سبق اتهامهم بالمبالغة أو التناقض أو حتى اختلاق القصص بالكامل.

كما يستند إلى روايات من عناصر منظمة زيكا، وهي المنظمة التي ارتبط اسمها بعدد من القصص الكاذبة الشهيرة، مثل رواية “الأطفال المقطوعي الرؤوس”، التي ساهمت في تعبئة الرأي العام العالمي لتبرير الحرب على غزة قبل أن تنهار لاحقًا تحت ضغط التحقق الصحفي.

مفارقة نيويورك تايمز

اللافت أن صحيفة نيويورك تايمز نفسها، التي لعبت دورًا بارزًا في الترويج لرواية “الاغتصاب الجماعي” عبر تقرير “صرخات بلا كلمات”، كانت قد أثارت مؤخرا ضجة عالمية أيضًا بعد نشرها تقارير وشهادات حول التعذيب والانتهاكات الجنسية بحق الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي.

وتحدثت تلك التقارير عن شهادات صادمة تتعلق بالإذلال الجنسي والتعذيب الجسدي والمعاملة المهينة داخل مراكز الاعتقال، خصوصًا بعد الحرب على غزة، ما فتح الباب أمام مطالبات دولية بالتحقيق في الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية.

لكن المفارقة التي يطرحها كثير من المنتقدين تتمثل في الفارق الكبير في طريقة التعامل الإعلامي والسياسي مع الملفين؛ إذ جرى التعامل مع الرواية الإسرائيلية منذ البداية باعتبارها “حقيقة شبه محسومة” رغم غياب الأدلة الحاسمة، بينما خضعت شهادات الأسرى الفلسطينيين ومستندات المنظمات الحقوقية لتشكيك واسع أو تغطية محدودة مقارنة بحجم الاتهامات المطروحة.

لماذا تعود الرواية الآن؟

يرى مراقبون أن إعادة إحياء هذا الملف بهذا الزخم الإعلامي لا يمكن فصلها عن التراجع المتزايد في صورة "إسرائيل" عالميًا، خاصة مع تصاعد الاتهامات المتعلقة بالحرب على غزة، وسقوط عشرات آلاف الضحايا المدنيين، وتوسع الحديث عن المجاعة والحصار والانتهاكات الإنسانية.

ومن هنا، تبدو محاولة إعادة ضخ رواية “الاغتصاب الجماعي” كجزء من معركة سياسية وإعلامية تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي العالمي، وتحويل النقاش من جرائم الحرب الجارية في غزة إلى صورة “الضحية الإسرائيلية المطلقة”.

لكن المشكلة الجوهرية التي ما تزال تلاحق هذه الرواية، أن التكرار الإعلامي – مهما كان ضخمًا – لا يعوض غياب الأدلة القاطعة، ولا يسد الفجوات الكبيرة في الشهادات والتحقيقات والوقائع الموثقة.

 

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00