قائمة الموقع

فلسطيني يا بطيخ

2026-05-14T19:27:00+03:00
بقلم/ رشا فرحات

في تطور تاريخي يظن أصحابه الحمقى أنهم به سيغيّرون موازين الأمن العالمي، حيث اكتشفت أجهزة الاستخبارات الألمانية أخيرًا الخطر الحقيقي الذي يهدد البشرية: البطيخ.

ليس الجوع، ولا الحروب، ولا صور الأطفال تحت الركام، ولا حتى تصاعد اليمين المتطرف في أوروبا، بل شريحة بطيخ مرسومة على لافتة احتجاجية.

بعد شهور طويلة من القصف والقتل والتجويع في غزة، جلست مؤسسات كاملة، بميزانيات هائلة وخبراء وتحليلات وتقنيات مراقبة، لتصل إلى استنتاج عبقري مفاده أن “حنظلة” قد يشكل خطرًا أيديولوجيًا، وأن خريطة فلسطين الملوّنة بألوان البطيخ ربما تُهدد استقرار الحضارة الغربية.

يا له من إنجاز أمني مذهل!!

ففي السابق، كان الناس يظنون أن “حنظلة” مجرد طفل فلسطيني يدير ظهره للعالم احتجاجًا على الظلم، لكن يبدو أن الاستخبارات الألمانية اكتشفت أخيرًا أنه عنصر شديد الخطورة، يقف متخفيًا على الجدران والقمصان ودفاتر الطلبة، ويحمل في يده أخطر سلاح عرفته أوروبا: الذاكرة.

أما البطيخ، فقصته أكثر رعبًا. ثمرة صيفية بريئة تحولت، بقدرة أجهزة الأمن، إلى رمز تخريبي عابر للحدود. تخيّل أن ترسم فاكهة بألوان العلم الفلسطيني، فتتحول فجأة إلى مشتبه به سياسي، وربما قريبًا إلى “تنظيم محظور”.

يبدو أن الديمقراطية الغربية باتت شديدة الهشاشة إلى درجة أن رسمة فاكهة يمكن أن تهزّها.

لكن المضحك فعلًا أن كل هذه المحاولات جاءت متأخرة جدًا. فشعار فلسطين تجاوز منذ زمن مرحلة المنع والإقصاء. لم يعد مجرد علم يُرفع في مظاهرة، بل صار ذاكرة بصرية عالمية، ولغة يفهمها الملايين دون ترجمة. البطيخ الذي حاولوا اعتباره “رمزًا متطرفًا” أصبح حاضرًا في الجامعات والشوارع والمعارض الفنية وحسابات المشاهير وجدران المدن حول العالم. كل محاولة لمصادرته منحته انتشارًا أكبر، وكل قرار بمنعه حوّله إلى رمز أكثر قوة.

لقد وصل الأمر إلى مرحلة عبثية: كلما حاولوا إخفاء فلسطين، ظهرت على شكل رسمة. وإذا صادروا الرسمة، ظهرت كأغنية. وإذا منعوا الأغنية، خرجت كوشاح أو ملصق أو جدارية أو هتاف في ملعب كرة قدم. كأن العالم يقول لهم بطريقة ساخرة: يمكنكم مطاردة الرموز، لكنكم لن تتمكنوا من إلغاء المعنى.

ولهذا تحديدًا يبدو غضبهم مفهومًا؛ لأنهم اكتشفوا متأخرين أن الرواية الفلسطينية لم تعد محصورة في حدود الجغرافيا، بل تحولت إلى رمز عالمي للظلم والنجاة والذاكرة، وأن حبة البطيخ الصغيرة التي يخشونها اليوم نجحت فيما فشلت فيه مؤسسات إعلامية ودبلوماسية كاملة: جعل فلسطين حاضرة في كل مكان.

لكن الأكثر إثارة للسخرية ليس التقرير نفسه، بل الطريقة التي يحاول بها إعادة تعريف الواقع. فالاحتلال، بحسب هذه اللغة الباردة، ليس احتلالًا تمامًا، والإبادة ليست إبادة إلا إذا قيلت على سبيل الاتهام، والدمار الهائل في غزة مجرد “حرب”، أما المشكلة الحقيقية فهي أن هناك من يجرؤ على وصف ما يراه بعينيه.

هكذا تعمل الديمقراطية الحديثة: يمكنك أن تموت، لكن إياك أن تصف من قتلك.

يمكن للطفل أن يُدفن تحت الأنقاض، لكن رسم حنظلة قرب صورته قد يُعتبر “تطرفًا”. ويمكن لمدن كاملة أن تُمحى، لكن كلمة “إبادة” هي ما يثير قلق المؤسسات الغربية، لا الإبادة نفسها.

المدهش أيضًا أن التقرير بدا منزعجًا من التقاء اليساريين والمسلمين والناشطين المناصرين لفلسطين في الشوارع الألمانية، وكأن التضامن الإنساني صار مؤامرة عابرة للأيديولوجيات. تخيّل أن يرى الناس صور المجازر فيغضبوا معًا، يا للكارثة.

ربما كانت الاستخبارات تتوقع من الجميع أن يشاهدوا البث المباشر للقتل ثم يعودوا بهدوء إلى احتساء القهوة والدفاع عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

المشكلة الحقيقية أن الغرب لم يعد قادرًا على إخفاء تناقضه القديم. فهو يريد حرية تعبير كاملة، بشرط ألا تقترب من فلسطين. يريد احتجاجات صاخبة، لكن دون كوفية. يريد فنًا ملتزمًا، لكن بلا حنظلة. يريد ديمقراطية تتسع للجميع، إلا لأولئك الذين يذكرون بأن هناك شعبًا ما زال تحت الاحتلال منذ عقود.

وحين تعجز السلطة عن هزيمة الرواية، تبدأ بمحاكمة الرموز.

لذلك لم يعد مستغربًا أن تخاف الحكومات من رسمة، أو أغنية، أو وشاح، أو حبة بطيخ. فالتاريخ يقول دائمًا إن الأنظمة المرتبكة لا تخشى السلاح بقدر ما تخشى المعنى.

وربما لهذا السبب بالتحديد يبدو حنظلة مرعبًا إلى هذا الحد: لأنه ما زال يدير ظهره لهم، بعد كل هذه السنوات، ويرفض التصفيق لأكذوبة اسمها “الديمقراطية الغربية”؛ ويبدو أن البطيخ الفلسطيني كان مرا لحد لا يمكن تذوقه !!

اخبار ذات صلة
يِا قُدٍسِ
2019-07-28T12:43:00+03:00