قائمة الموقع

"الهاغمار".. ميليشيات المستوطنين التي تكرّس العنف وتحوّل الضفة إلى ساحات رعب!

2026-05-14T19:21:00+03:00
الرسالة نت – متابعة

لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة مجرد أعمال فردية ينفذها متطرفون تحت حماية جيش الاحتلال، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منظومة عسكرية منظمة تحمل اسم "الهاغمار"، تعمل بغطاء رسمي وتسليح مباشر، وتمثل أحد أخطر أذرع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.

ففي القرى الفلسطينية الممتدة من الأغوار إلى مسافر يطا وجنوب نابلس ورام الله، بات الفلسطيني يواجه واقعا أكثر تعقيدا وخطورة؛ مستوطن يرتدي الزي العسكري، يحمل سلاحا رسميا، ويتحرك بصفة أمنية تمنحه صلاحيات الجندي وامتيازات المستوطن في آن واحد.

هذه المنظومة التي يصفها الاحتلال بأنها "دفاع إقليمي"، تحولت عمليا إلى مليشيات استيطانية تنفذ سياسة القمع والتهجير والسيطرة الميدانية، وسط تحذيرات حقوقية من أن "إسرائيل" تمضي نحو خصخصة الاحتلال، عبر تسليم المستوطنين المتطرفين إدارة العنف اليومي ضد الفلسطينيين.

ما هي "الهاغمار"؟

كلمة "هاغمار" هي اختصار لعبارة "הגנה מרחבית" العبرية، وتعني "الدفاع الإقليمي"، وهو مصطلح يستخدمه جيش الاحتلال الإسرائيلي للإشارة إلى كتائب احتياط محلية تتألف بمعظمها من المستوطنين.

وترتبط هذه الوحدات مباشرة بالقيادة المركزية لجيش الاحتلال، ويتم تقديمها رسميا باعتبارها إطارا لحماية المستوطنات في "حالات الطوارئ"، من خلال إقامة الحواجز، وتنفيذ الدوريات، ومراقبة المناطق المحيطة بالمستوطنات.

لكن الواقع الميداني يكشف أن هذه الوحدات ليست مجرد "حراسة مدنية"، بل تشكيلات عسكرية شبه نظامية، تحصل على التمويل والتدريب والسلاح من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ويتم دمجها في البنية الأمنية للجيش.

وتشير تقارير صادرة عن منظمة ييش دين إلى أن منظومة الحماية الاستيطانية تقوم على شبكة متكاملة تضم "فصائل دفاع إقليمي" و"منسقي أمن" وفرق تدخل سريع، تعمل جميعها بتنسيق مباشر مع الجيش ووزارة الدفاع.

من عقيدة قديمة إلى توسع غير مسبوق

تعود جذور هذه العقيدة إلى بدايات المشروع الصهيوني، حين اعتمدت الحركة الصهيونية على تسليح المستوطنات الزراعية لتعويض ما تعتبره "نقص العمق الاستراتيجي".

وفي عام 1971 توسعت هذه السياسة إلى الضفة الغربية المحتلة، عبر أوامر عسكرية نصت على تشكيل فرق حراسة محلية وتعيين "منسقي أمن مدنيين" داخل المستوطنات.

لكن التحول الأخطر جاء بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين استدعى جيش الاحتلال آلاف المستوطنين إلى وحدات "الهاغمار"، ووزع آلاف البنادق والأسلحة على عناصر "الدفاع الإقليمي" وفرق الأمن المدنية، في توسع سريع وغير مسبوق للبنية الاستيطانية المسلحة.

كيف تعمل هذه المليشيات ضد الفلسطينيين؟

على الأرض، لا تظهر "الهاغمار" كقوة دفاعية، بل كأداة يومية لفرض السيطرة والقمع.

اقتحام التجمعات الفلسطينية

في ديسمبر/ كانون الأول 2023، وثقت تقارير حقوقية مشاركة عناصر من "الدفاع الإقليمي" مع مستوطنين مسلحين في اقتحام خربة خلة الضبع جنوب الخليل، حيث حطموا ألواحا شمسية وخزانات مياه واعتدوا على السكان وسرقوا ممتلكاتهم.

تكشف هذه الحوادث كيف يمنح الغطاء العسكري للمستوطنين قدرة على اقتحام القرى الفلسطينية وتخريبها تحت ذريعة "الأمن".

إطلاق النار عند الطرق والحواجز

وفي أغسطس/ آب 2024، استشهد الفلسطيني خليل سالم خليل قرب مستوطنة "إفرات" جنوب بيت لحم، بعد إطلاق النار على مركبته من قبل عناصر يتبعون لوحدة "دفاع إقليمي".

ولم تكن خطورة الحادثة في الجريمة نفسها فقط، بل في كون القوة المنفذة ليست دورية عسكرية نظامية، بل وحدة استيطانية تتحرك ضمن صلاحيات أمنية رسمية.

وفي أبريل/ نيسان 2026، وثقت منظمة بتسيلم حادثة استشهاد الفلسطيني علي حمادنة برصاص مستوطن-جندي من بؤرة "مزرعة أورياه" شرق رام الله.

استراتيجية تهجير ممنهجة

لا تقتصر مهام "الهاغمار" على إطلاق النار والاقتحامات، بل تمتد إلى فرض حصار اقتصادي واجتماعي على الفلسطينيين، خاصة في الأغوار وجنوب الخليل.

وتستخدم هذه الوحدات أوامر "المناطق العسكرية المغلقة" لمنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، ومصادرة المواشي، وتدمير الخلايا الشمسية وخطوط المياه، في محاولة لضرب مقومات الحياة الفلسطينية.

وفي جنوب الخليل، كشفت تقارير لصحيفة "فايننشال تايمز" أن قادة في كتائب "الدفاع الإقليمي" أعلنوا مناطق رعي فلسطينية "مناطق عسكرية مغلقة"، ما حرم عشرات العائلات من مصدر رزقها الأساسي.

ويرى حقوقيون أن هذه السياسات تهدف عمليا إلى إفراغ التجمعات البدوية ودفع سكانها إلى الرحيل القسري، لصالح توسيع نفوذ البؤر الاستيطانية.

صفة عسكرية لهوية استيطانية

تكمن خطورة "الهاغمار" في أنها تمنح المستوطن المتطرف صفة عسكرية رسمية، فالفلسطيني الذي كان يواجه سابقا مستوطنا مدنيا مسلحا، أصبح اليوم أمام شخص يرتدي الزي العسكري ويتحرك بغطاء أمني، ما يخلق حالة من التداخل المقصود بين الجيش والمستوطنين.

وتؤكد شهادات نشرها كسر الصمت أن "منسقي الأمن المدنيين" التابعين للهاغمار يمتلكون نفوذا واسعا على الجنود، ويشاركون في تحديد خطوط التماس وإدارة التحركات الميدانية.

غطاء رسمي يمنع المحاسبة

وترى منظمات حقوقية أن أخطر ما في هذه المنظومة هو الحصانة التي توفرها للمستوطنين.

فبحسب تقارير "ييش دين"، فإن بعض المجندين في وحدات "الهاغمار" يمتلكون سجلات جنائية تتعلق باعتداءات قومية ضد الفلسطينيين، ومع ذلك حصلوا على أسلحة وصلاحيات رسمية.

وفي معظم الحالات، يتم التعامل مع جرائم هؤلاء باعتبارها "إجراءات أمنية" لا اعتداءات جنائية، ما يجعل محاسبتهم شبه مستحيلة داخل منظومة القضاء الإسرائيلية.

وتشير بيانات حقوقية إلى أن نسبة ضئيلة للغاية من ملفات جرائم المستوطنين ضد الفلسطينيين تنتهي بإدانات فعلية، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من العنف المنظم.

خصخصة الاحتلال

يرى مراقبون أن "الهاغمار" تمثل نموذجا واضحا لما تسميه المؤسسات الحقوقية "خصخصة الاحتلال"، أي نقل صلاحيات الجيش إلى جماعات استيطانية عقائدية تمتلك مصلحة مباشرة في السيطرة على الأرض.

وبهذا الشكل، لا يعود الاحتلال مجرد وجود عسكري تقليدي، بل يتحول إلى شبكة مليشيات محلية مسلحة تدير الحياة اليومية للفلسطينيين عبر الحواجز والدوريات ومنع الرعي والزراعة.

وفي ظل تصاعد نفوذ هذه الوحدات، يحذر حقوقيون من أن الضفة الغربية تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة، يصبح فيها المستوطن المسلح هو صاحب القرار الميداني الأول، بينما يتحول الفلسطيني إلى هدف دائم لمنظومة عنف تمتلك السلاح والغطاء الرسمي معا.

اخبار ذات صلة