مقال: يا مجلس السلام غزة تعيش بلا سلام

محمد مصطفى شاهين


تطل علينا غزة  لا كمدينة تنهض من تحت الرماد بل كجرح غائر في خاصرة الضمير الإنساني لا يندمل فبعد عامين من حرب إبادة موصوفة قانونا كجريمة ضد الإنسانية ارتقت فيها أرواح ما يربو على 72 ألف شهيدا وتهجر فيها قرابة مليون وتسعمئة ألف إنسانا تترنح القطاع تحت وطأة دمار أعاد عجلة التنمية البشرية إلى الوراء سبعة وسبعين عاما وفق تقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إنها لمأساة تتجاوز الحساب المادي إلى حساب القيم والأخلاق حيث يبيت الطفل في خيمة تنهشها الرياح وتلد الأم بلا مخدر ويموت المريض دون ان يسافر من معبر شبه مغلق فتلك والله هي الحال التي تنوء بحملها الجبال.

في خضم هذا المشهد المأساوي تدور رحى مفاوضات سلام تبدو أشبه بسراب فالمبادرة التي حملها الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف اصطدمت بجدار الإصرار الإسرائيلي على انتزاع سلاح المقاومة قبل أي انسحاب في حين تتمترس الفصائل خلف مطلبها الاستراتيجي المتمثل في إكمال المرحلة الأولى من الاتفاق انسحابا كاملا وإدخالا للمساعدات قبل الولوج إلى أي ترتيبات أمنية لاحقة وبين هذا وذاك يبرز مخطط إدخال لجنة التكنوقراط برئاسة الدكتور علي شعث إلى مناطق محدودة يزعم الاحتلال نيته الانسحاب منها كمحاولة لخلق واقع إداري بديل يتجاوز الفاعلين التقليديين على الأرض.

أما المشهد الدولي فيكاد يكون فصولا من مسرحية عبثية فأميركا التي رعت مجلس السلام وأطلقت خطط التعافي تقرر اليوم إغلاق مركز التنسيق المدني العسكري الذي كان ذراعها الرقابية على وقف إطلاق النار معلنة بذلك إفلاس وساطتها وفي الأثناء تواصل إسرائيل حجز مسؤولي الأمم المتحدة واستجوابهم ممعنة في انتهاك الحصانات الدبلوماسية ومتحدية بوقاحة كل قرارات الشرعية الدولية أما صوت الدول فيضيع بين تصريحات الاستعداد للمشاركة في قوة استقرار دولية وغياب أي استراتيجية ضغط حقيقية تجبر المحتل على الانصياع للإرادة الدولية مما يجعل قرارات مجلس الأمن وفي مقدمتها القرار 2803 الداعي إلى تمكين السلطة الفلسطينية من الحكم في غزة حبرا على ورق.

أمام هذا المأزق المرير يصبح الرهان على صمود الإنسان الغزاوي هو الثابت الوحيد في معادلة متغيرة فهو الذي يصر على البقاء في أرضه رغم كل مشاريع التهجير الممنهج التي ترقى إلى الجريمة الدولية وفق نظام روما الأساسي وهو الذي يعيد بناء بيته المدمر مرة بعد مرة متحديا لغة النار والحديد إنها ملحمة صمود شعب أعزل تتساقط أمامها كل نظريات الردع والتوازن العسكري وفي النهاية يظل السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هل تستفيق ضمائر العالم قبل أن تتحول غزة من مدينة تنزف إلى ذكرى في سجلات التأريخ.