يفترض في الظروف الطبيعية أن يشكل تراجع الدولار أمام العملات الأخرى فرصة اقتصادية لتحسين القدرة الشرائية وخفض أسعار السلع المستوردة، لكن في قطاع غزة تبدو المعادلة مختلفة تماما.
فبدلا من أن ينعكس انخفاض الدولار إيجابا على حياة السكان، تحوّل إلى عامل إضافي يفاقم الأزمة المعيشية ويزيد من هشاشة الواقع الاقتصادي الذي يعيشه أكثر من مليوني فلسطيني تحت الحصار والحرب والانهيار شبه الكامل لمقومات السوق الطبيعية.
وتكشف التطورات الأخيرة حجم الاختلال العميق في الاقتصاد الغزي، حيث لا تعمل قواعد السوق التقليدية كما هو متوقع.
فالأسعار التي ارتفعت بفعل الحرب ونقص الإمدادات بقيت مرتفعة رغم انخفاض الدولار، بينما تراجعت دخول آلاف الموظفين والعاملين الذين يتقاضون رواتبهم بهذه العملة.
وبذلك، وجد كثيرون أنفسهم أمام معادلة قاسية تتمثل في انخفاض الدخل مقابل استمرار الغلاء، وهو ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية بصورة متسارعة.
وتبرز معاناة الموظفين في المؤسسات الدولية كأحد أبرز أوجه هذه الأزمة، فالعقود الموقعة بالدولار فقدت جزءا ملموسا من قيمتها الفعلية عند تحويلها إلى الشيكل، من دون وجود أي آليات تعويض أو حماية من تقلبات سعر الصرف.
فبينما كان الدولار يعادل أكثر من 3.5 شواكل قبل أشهر، انخفض اليوم إلى ما دون ثلاثة شواكل، ما يعني عمليا خسارة مئات الشواكل شهريا من دخل الموظف، في وقت تشهد فيه الأسواق مستويات غير مسبوقة من التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ولا تقتصر الخسائر على أصحاب الرواتب فقط، بل تمتد أيضا إلى آلاف المواطنين الذين احتفظوا بمدخراتهم بالدولار باعتباره ملاذا آمنا خلال سنوات طويلة من عدم الاستقرار.
هؤلاء وجدوا أنفسهم أمام تآكل تدريجي لقيمة مدخراتهم، خصوصا مع اضطرارهم إلى تصريف الدولار بأسعار منخفضة لتغطية احتياجاتهم اليومية، بينما تتزايد تكاليف الغذاء والدواء والمواصلات بصورة مستمرة.
ولعل ما يحدث في غزة يعكس ظاهرة تعرف بـ"تشوه انتقال الأسعار"، حيث لا تنتقل آثار انخفاض سعر الصرف إلى المستهلك النهائي بالشكل الطبيعي.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب، أبرزها ضعف المنافسة واحتكار بعض السلع وعدم انتظام تدفق البضائع إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والتخزين والمخاطر المرتبطة بالحرب.
كما أن التجار غالبا ما يرفعون الأسعار بسرعة عند ارتفاع الدولار، لكنهم يتباطؤون في خفضها عند تراجعه، ما يجعل الأسعار "لزجة نزولا" كما يصفها المختصون.
الأزمة تمتد كذلك إلى المؤسسات الإغاثية الدولية التي تعتمد على التمويل بالدولار، ثم تضخه داخل السوق المحلية بالشيكل.
ومع تراجع قيمة الدولار تفقد هذه المساعدات جزءا من قدرتها الشرائية، ما يقلل فعليا من حجم الخدمات التي يمكن تقديمها للنازحين والفقراء، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
وبذلك، لا يعكس تراجع الدولار في غزة تحسنا اقتصاديا بقدر ما يكشف هشاشة البنية الاقتصادية للسوق المحلية، فغياب المنافسة الحقيقية واستمرار الحصار وتشوه آليات التسعير، كلها عوامل تجعل أي تغير عالمي في أسعار العملات يتحول داخل القطاع إلى عبء إضافي على السكان، بدلا من أن يكون فرصة لتخفيف معاناتهم.