قائمة الموقع

هل يتحول “الإمبراطور” ياسر عباس إلى وليّ عهد رسمي لمرحلة ما بعد أبو مازن؟

2026-05-11T11:57:00+03:00
الرسالة نت-خاص

فتح بين إرث الثورة وشبح التوريث

هل يتحول “الإمبراطور” ياسر عباس إلى وليّ عهد رسمي لمرحلة ما بعد أبو مازن؟

الرسالة نت- خاص 

لم تعد الأسئلة المطروحة داخل أروقة حركة فتح تدور حول “من يخلف محمود عباس؟” فقط، بل أصبحت أكثر خطورة ووضوحًا: هل يجري إعداد مشروع توريث سياسي–اقتصادي متكامل داخل السلطة الفلسطينية؟
وهل يتحول ياسر عباس، نجل رئيس السلطة الفلسطينية، من رجل أعمال ظلّ طويلًا خلف الستار، إلى “الإمبراطور” الذي يُمسك بالمفاصل الاقتصادية والسياسية والأمنية تمهيدًا لوراثة النفوذ الفتحاوي؟

المشهد داخل رام الله يبدو اليوم أكثر توترًا من أي وقت مضى. فالمؤتمر الثامن لحركة فتح، المقرر انعقاده في 14 مايو/أيار، لا يأتي في لحظة تنظيمية طبيعية، بل في لحظة احتقان تاريخي تعيشها الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، لكنها تجد نفسها اليوم غارقة في أزمات الشرعية والفساد والانقسام والصراع على الميراث السياسي.

ما يتردد داخل أروقة الحركة لم يعد مجرد همسات. الحديث الآن يدور بصراحة عن محاولة دفع ياسر عباس إلى قلب اللجنة المركزية لحركة فتح، تمهيدًا لمنحه غطاءً تنظيميًا يحمي “الإمبراطورية” الاقتصادية للعائلة بعد رحيل الأب التسعيني محمود عباس.

ولم يعد ياسر عباس مجرد رجل أعمال يدير شركات تبغ ومقاولات واستثمارات، بل بات ـ وفق خصومه داخل فتح ـ لاعبًا مباشرًا في إعادة تشكيل موازين القوة داخل السلطة ومنظمة التحرير والساحة اللبنانية وحتى الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

في رام الله، يتحدث كثيرون بسخرية مريرة عن “وليّ العهد”، في إشارة إلى ياسر عباس، الذي لم يخض تاريخيًا أي تجربة نضالية أو تنظيمية حقيقية داخل الحركة، ولم يصعد عبر الأطر الفتحاوية التقليدية كما فعل القادة التاريخيون، لكنه يحاول القفز مباشرة إلى قمة الهرم السياسي مدعومًا بسلطة الأب ونفوذ المال.

المفارقة الأكثر إيلامًا أن حركة فتح، التي تأسست بوصفها حركة تحرر وطني، تواجه اليوم اتهامات داخلية بأنها تتحول تدريجيًا إلى ساحة صراع عائلي وشخصي، تُدار فيها التعيينات والتحالفات وفق منطق الولاء والمصلحة، لا وفق الكفاءة أو التاريخ النضالي.

ولعل أخطر ما يثير الغضب داخل الحركة أن مشروع صعود ياسر عباس لا يجري في ظروف طبيعية، بل في لحظة انهيار ثقة شعبية غير مسبوقة بالسلطة الفلسطينية. فلا انتخابات منذ عام 2006، ولا تجديدًا حقيقيًا للشرعيات، ولا أفقًا سياسيًا واضحًا، فيما تتآكل المؤسسات تحت وطأة الفردية والاحتكار والجمود.

لهذا يرى كثيرون أن إدخال “الإمبراطور” إلى مركز القرار الفتحاوي ليس مجرد تعديل تنظيمي، بل خطوة قد تُفجّر الحركة من الداخل.

قيادات فتحاوية بارزة تشعر اليوم بأن هناك عملية إقصاء ممنهجة تجري بصمت، فمحمود العالول يدرك أن طريقه يُعرقل، وحسين الشيخ يرى في صعود ياسر تهديدًا مباشرًا لنفوذه، بينما توفيق الطيراوي فتح النار علنًا على الفساد والمحسوبية.
أما أنصار القيادي الأسير مروان البرغوثي يطالبون بحصة أكبر باعتبارهم يمثلون “الجيل المظلوم” داخل الحركة، في المقابل، فإن تيار محمد دحلان، رغم استبعاده رسميًا، فلا يزال حاضرًا في حسابات الصراع.

وسط هذه الفوضى، يبدو أن أبو مازن يحاول إدارة المرحلة الأخيرة من حكمه بمنطق “تأمين العائلة” أكثر من تأمين مستقبل المشروع الوطني.

التقارير المتداولة عن توسع نفوذ ياسر عباس داخل الملفات الفلسطينية الحساسة، خصوصًا في لبنان، زادت من حجم المخاوف. فالرجل بات يتحرك كصاحب صلاحيات فعلية، رغم غياب أي موقع رسمي واضح يمنحه هذا النفوذ.

وهنا تحديدًا تبرز خطورة ما تحدث عنه ائتلاف “أمان” للنزاهة والمساءلة، الذي حذر من غياب أي إطار قانوني واضح لمسألة “الممثل الخاص للرئيس”، معتبرًا أن توسيع هذه الصلاحيات خارج الإطار البروتوكولي يفتح الباب أمام تضارب الصلاحيات، وتغول النفوذ الشخصي، وتعزيز شبهة التوريث السياسي والعائلي.

الأخطر أن هذه التحركات تأتي في ظل غياب المجلس التشريعي وتعطل أدوات الرقابة والمحاسبة، ما يجعل السلطة التنفيذية تتحرك بلا ضوابط حقيقية.

وفي الشارع الفلسطيني، لا تبدو القضية مجرد خلاف داخل فتح، بل انعكاسًا لأزمة وطنية أعمق: أزمة نظام سياسي هرِم، مغلق، يرفض التداول الديمقراطي، ويعيد إنتاج نفسه عبر شبكات النفوذ والمال والعائلة.

الفلسطيني الذي ينتظر انتخابات منذ قرابة عقدين، ويرى الضفة تتآكل تحت الاستيطان، وغزة تُحاصر وتُدمر، لا يبحث اليوم عن “إمبراطور” جديد، ولا عن “وليّ عهد” جديد، بل عن قيادة وطنية تمتلك الشرعية والقدرة والرؤية لمواجهة الاحتلال والتحديات.

إن أخطر ما قد تواجهه حركة فتح اليوم ليس فقط الانقسام الداخلي، بل فقدان معناها التاريخي كحركة تحرر وطني، وتحولها تدريجيًا إلى مؤسسة سلطة مغلقة تتصارع فيها الأجنحة على النفوذ والمصالح.

ولهذا فإن المؤتمر الثامن للحركة قد لا يكون مجرد محطة تنظيمية عادية، بل لحظة مفصلية ستحدد إن كانت فتح قادرة على تجديد نفسها، أو أنها تتجه نحو انفجار داخلي قد يُعيد رسم الخريطة السياسية الفلسطينية بالكامل.

وفي النهاية، فإن الشعوب لا تثور فقط ضد الاحتلال، بل أيضًا ضد احتكار السلطة وتكلس النظام السياسي وتحويل الأوطان إلى إرث عائلي.

وحين يشعر الفتحاوي أن الثورة التي قدم لأجلها الدماء وسنين عمره تحولت إلى ساحة توريث ونفوذ وامتيازات، فإن الأزمة تصبح أعمق بكثير من مجرد صراع على كرسي داخل اللجنة المركزية.

اخبار ذات صلة