يتزايد الجدل حول ظاهرة تجميد الحسابات البنكية والتي تتصاعد بشكل كبير، في وقت لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراءات مصرفية عابرة أو قرارات فردية صادرة عن بنك بعينه، حتى وإن كان بنك فلسطين في واجهة المشهد بحكم حجمه وانتشاره.
القضية أعمق بكثير وتمتد إلى إعادة تشكيل كاملة للبنية المالية والاقتصادية في القطاع تحت عناوين "الامتثال المالي" و"الرقابة على التدفقات النقدية" و"تقليل الاقتصاد النقدي".
أي نظام مصرفي في العالم يقوم على الثقة، وعندما يفقد المواطن أو التاجر ثقته بقدرته على الوصول إلى أمواله في أي لحظة، فإن النتيجة الطبيعية تكون شلل الحركة الاقتصادية وتراجع النشاط التجاري واتساع الاقتصاد الموازي.
وهذا ما يحدث تدريجيا في غزة، فالمواطن الذي يخشى تجميد حسابه سيفضل الاحتفاظ بالنقد خارج البنوك، والتاجر الذي تتعطل تحويلاته سيتجه إلى قنوات مالية غير رسمية، ما يعني عمليا تآكل دور القطاع المصرفي التقليدي.
لكن في المقابل، لا بد من فهم أن البنوك الفلسطينية ليست صاحبة القرار النهائي دائما، فهي تعمل ضمن شبكة رقابة مالية شديدة التعقيد ترتبط بسلطة النقد الفلسطينية، والتي ترتبط بدورها بمنظومة رقابة دولية تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصا في الملفات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة المصنفة أمنيا. وبالتالي فإن جزءا كبيرا من هذه الإجراءات يأتي في إطار حماية البنوك نفسها من العقوبات أو العزل المالي الدولي.
المشكلة الحقيقية هنا ليست فقط في "التجميد"، بل في التوقيت والسياق، قطاع غزة يعيش منذ بدء حرب الإبادة في 2023 انهيارا اقتصاديا غير مسبوق، مع تراجع السيولة النقدية إلى مستويات خطيرة نتيجة تلف الأموال وخروج جزء كبير منها من الدورة الاقتصادية.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الوصول إلى الأموال بالنسبة للمواطن مسألة بقاء يومي وليس مجرد خدمة مصرفية.
ومن هنا يمكن فهم التوجه المتسارع نحو "الحوسبة المالية" وتقليل الاعتماد على النقد، خاصة بعد القرار بقانون رقم (4) لسنة 2026 بشأن خفض استخدام الكاش وتعزيز المدفوعات الإلكترونية.
من الناحية النظرية، هذا التوجه يبدو منطقيا، فهو يساعد على ضبط الاقتصاد غير الرسمي وتقليل التهرب الضريبي ومراقبة حركة الأموال بشكل أكثر دقة، لكن تطبيق هذه السياسات في بيئة تعاني الحرب والنزوح وانعدام الاستقرار يخلق آثارا اجتماعية خطيرة، لأن الرقابة العالية في اقتصاد هش قد تتحول من أداة تنظيم إلى أداة ضغط إضافية على السكان.
المشهد في غزة يشير إلى أننا أمام تحول اقتصادي قسري، ينتقل تدريجيا من اقتصاد نقدي مرن –رغم فوضويته– إلى اقتصاد رقمي شديد الرقابة.
السؤال الأهم ليس إن كان هذا التحول سيحدث، بل كيف سيحدث ومن سيدفع ثمنه؟ لأن أي عملية إعادة هيكلة مالية لا تراعي الواقع الإنساني والمعيشي قد تؤدي إلى فقدان ما تبقى من الثقة بين المواطن والمنظومة المصرفية، وهو أخطر ما يمكن أن يواجهه أي اقتصاد في ظروف الحرب والأزمات.
مقال: النظام المصرفي وتجميد الحسابات
أحمد أبو قمر