لم يعد محمود الزربة يعرف شكل الراحة، منذ تلك اللحظة التي اخترق فيها القصف الإسرائيلي حياته، انطفأ الضوء إلى الأبد. فقد بصره، وبُترت ساقه، وتحوّل الرجل الذي كان يسعى خلف رزقه ويقود أبناءه نحو حياة أكثر أمانًا، إلى جريح يقيم داخل خيمة مهترئة في دير البلح، يحاول أن يتلمّس وجوه أطفاله بأصابعه بعدما عجزت عيناه عن رؤيتهم.
داخل الخيمة، حرارة خانقة نهارًا، وبرد قاسٍ ليلًا، وأرض رملية لا تصلح لجسد أنهكته الجراح. يجلس محمود لساعات طويلة مستندًا إلى وسادة رقيقة، بينما يحيط به أطفاله بصمت ثقيل، يراقبون والدهم الذي تغيّر كل شيء فيه دفعة واحدة.
لم يعد قادرًا على السير وحده، ولا على قضاء حاجاته اليومية دون مساعدة، حتى كوب الماء بات يحتاج من يناوله إياه.
زوجته تحاول أن تخفي خوفها، لكن ملامح التعب تكشف كل شيء. تقول إن أصعب ما يمرّ عليهم ليس فقط الإصابة، بل شعور العجز الكامل داخل الخيمة، في ظل غياب العلاج والرعاية المناسبة.
فالجروح تحتاج متابعة مستمرة، والألم لا يهدأ، فيما تزداد حالته النفسية سوءًا مع كل يوم يمر دون أمل واضح بالعلاج.
محمود، الذي فقد بصره وساقه معًا، يحتاج بشكل عاجل إلى تحويلة علاجية خارج قطاع غزة، وفق ما يؤكد مقربون منه؛ فحالته تتطلب عمليات تأهيل ورعاية طبية متخصصة غير متوفرة وسط الانهيار الصحي الذي يعيشه القطاع، خاصة مع النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعطل كثير من المستشفيات بفعل الاستهداف والحصار.
وفي كل ليلة، حين ينام أطفاله متلاصقين داخل الخيمة الضيقة، يبقى محمود مستيقظًا مع أوجاعه وأسئلته الثقيلة. يتحسس الفراغ مكان ساقه، ويحاول أن يتذكر آخر صورة رآها قبل أن يأخذ القصف عينيه. لم يعد يخاف على نفسه بقدر خوفه على أطفاله الذين كبروا فجأة وسط الحرب والجوع والخيام.
ويعيش قطاع غزة واحدة من أكبر أزمات الجرحى والمرضى في تاريخه. فوفق معطيات وتقارير صحية حديثة، تجاوز عدد الجرحى منذ بداية الحرب مئات آلاف المصابين، بينهم آلاف فقدوا أطرافهم أو أصيبوا بإعاقات دائمة، بينما يواجه النظام الصحي انهيارًا شبه كامل.
وتشير وزارة الصحة في غزة إلى أن أكثر من 21 ألف مريض وجريح ما زالوا ينتظرون تحويلات عاجلة للعلاج خارج القطاع، بينهم نحو 5 آلاف حالة حرجة، في وقت لا يغادر فيه سوى أعداد محدودة جدًا عبر المعابر. كما تؤكد الوزارة أن ما بين 6 إلى 10 مرضى يفقدون حياتهم يوميًا أثناء انتظار السفر للعلاج، فيما توفي أكثر من 1400 مريض منذ إغلاق معبر رفح وتعطل الإجلاء الطبي المنتظم. وبين هذه الأرقام الثقيلة، يبقى محمود الزربة واحدًا من آلاف الجرحى الذين نجوا من القصف، لكنهم ما زالوا عالقين في مواجهة الألم داخل الخيام.