كانت المفاوضات في القاهرة تدور داخل غرف مغلقة، حيث تُراجع الكلمات بدقة، وتُناقش الجمل بندًا بندًا، بينما يحاول الوسطاء انتزاع صيغة تُبقي المسار السياسي قائمًا ولو بالحد الأدنى.
لكن في غزة، كان هناك مسار آخر يُدار بالتوازي…
مسار تصنعه الطائرات والاغتيالات والدم.
بعد ساعات فقط من انتهاء جولة تفاوضية جديدة بين وفود الفصائل الفلسطينية والوسطاء، ارتفعت وتيرة التصعيد الإسرائيلي بشكل لافت.
سلسلة غارات متلاحقة.
استهدافات لأهداف مدنية وعناصر شرطية.
ثم جاءت الضربة المحمّلة برسائل الدم: استهداف نجل الدكتور خليل الحية، في لحظة كان فيها رئيس الوفد المفاوض يتابع آخر تفاصيل النقاشات المتعلقة بالردود والتعديلات داخل المسار التفاوضي.
داخل حركة حماس، لا يُنظر إلى ما جرى باعتباره تصعيدًا عسكريًا منفصلًا عن المفاوضات، بل باعتباره محاولة إسرائيلية مباشرة لـ"التفاوض بالدم".
هناك في القاهرة تُمارس الضغوط عبر الصياغات والكلمات، بينما تُدار في غزة ضغوط موازية بالنار، في محاولة لفرض إيقاع تفاوضي جديد تحت وقع الاغتيالات.
هذا المشهد يعيد إلى ذاكرة الحركة واحدة من أخطر اللحظات المرتبطة بمسار التفاوض خلال الحرب؛ حين تعرض وفد حماس المفاوض برئاسة الدكتور الحية لمحاولة اغتيال غير مباشرة في سبتمبر/أيلول 2025 أثناء وجوده في الدوحة، بينما كانت الحركة تدرس مقترحًا أمريكيًا جديدًا يتعلق بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
الهجوم حينها أدى إلى استشهاد عدد من المرافقين، بينهم همام الحية، نجل الدكتور خليل الحية، إضافة إلى مدير مكتبه، بينما نجا قادة الوفد.
في ذلك الوقت، تزامنت أجواء التفاوض مع تصعيد أمني واستخباري مكثف، دفع الحركة إلى رفع مستوى إجراءاتها الأمنية والتعامل مع ما جرى باعتباره رسالة إسرائيلية واضحة مفادها أن مسار التفاوض نفسه يمكن استهدافه بالنار والاغتيال، وليس فقط بالضغوط السياسية.
واليوم، يبدو المشهد وكأنه يتكرر بصورة أكثر قسوة.
فالوسطاء خلال الأيام الأخيرة بذلوا جهدًا واسعًا لإعادة صياغة بعض البنود والكلمات، خصوصًا ما يتعلق بخارطة الطريق وملف السلاح، في محاولة للوصول إلى صيغة قابلة للتسويق أمريكيًا وإسرائيليًا.
لكن في كل مرة كانت الفصائل تُظهر مرونة أو تقدم صياغات إيجابية، كانت تظهر اعتراضات إسرائيلية جديدة تعيد اختزال المشهد كله في بند واحد: نزع السلاح.
المشكلة بالنسبة للفصائل لم تعد مرتبطة بغياب الصيغ أو نقص المرونة السياسية، بل بغياب أي خطوات حقيقية على الأرض.
فالوسطاء يتحدثون عن تفاهمات، بينما لا تزال استحقاقات المرحلة الأولى مجمدة أو متعثرة، ولا توجد جداول زمنية واضحة تلزم الاحتلال بتنفيذ انسحابات أو إجراءات إنسانية مقابلة.
ولهذا، يتشكل انطباع متزايد لدى الفصائل بأن الاحتلال يستخدم التصعيد العسكري كأداة ضغط تفاوضي، كلما اقتربت النقاشات من نقطة يمكن البناء عليها سياسيًا.
وكأن الرسالة الإسرائيلية الدائمة تقول إن أي تقدم على الطاولة يجب أن يمر أولًا عبر ميزان القوة والنار.
ورغم هذه الوتيرة الدامية، لا يبدو أن المسار التفاوضي قد انهار بالكامل.
بل على العكس، ما زالت الفصائل تتعامل مع جهود الوسطاء باعتبارها الخيار الأكثر واقعية لمنع العودة إلى حرب واسعة، خصوصًا مع المتغيرات الإقليمية والدولية، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة وداخل الكيان الإسرائيلي.
لكن في المقابل، بات واضحًا أن الوسطاء يواجهون معضلة حقيقية.
فهناك تفهم متزايد للموقف الفلسطيني، يقابله عجز واضح عن ممارسة ضغط فعلي على الاحتلال أو انتزاع التزام أمريكي قادر على تحويل التفاهمات النظرية إلى وقائع ميدانية.
ولهذا تبدو الصورة الآن شديدة التعقيد:
المفاوضات لم تفشل… لكنها تنزف.
والوسطاء لم يغادروا الطاولة… لكنهم يتحركون داخل هامش ضيق.
أما غزة، فما تزال تدفع الثمن ذاته في كل مرة:
كلما اقتربت السياسة من الحل… اقتربت الطائرات أكثر من أهدافها.