تتواصل في العاصمة المصرية القاهرة جولات التفاوض بين الأطراف المعنية بملف وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تعثر واضح في تحقيق اختراق حقيقي، في ظل خلافات عميقة حول آليات تنفيذ الاتفاق ومراحله المختلفة.
وتشير معطيات مرتبطة بالمفاوضات إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يُعد الطرف الذي رفض مقترح الوسطاء الأخير، رغم موافقة حركة "حماس" عليه، خصوصًا فيما يتعلق بصيغة اتفاق أكتوبر الماضي، التي كانت تمثل أساسًا لإعادة تفعيل مسار التهدئة.
**خلاف على استحقاقات المرحلة الثانية
ويبرز الخلاف بشكل أساسي حول المرحلة الثانية من الاتفاق، حيث تربط مصادر مطلعة تعثر المفاوضات بإصرار الاحتلال على التهرب من استحقاقاتها، وفي مقدمتها الانسحاب الكامل من قطاع غزة ووقف الحرب بشكل نهائي، وهو ما تعتبره الفصائل الفلسطينية جوهر أي اتفاق قابل للاستمرار.
في المقابل، يسعى الاحتلال إلى إعادة حصر التفاهمات ضمن إطار المرحلة الأولى فقط، بما يتيح له استمرار السيطرة الميدانية واستخدام الأدوات الإنسانية كورقة ضغط سياسية، الأمر الذي يثير مخاوف من إفراغ الاتفاق من مضمونه.
**خروقات موثقة
وفي سياق متصل، سلّمت حركة "حماس" الوسطاء ملفات تفصيلية تتضمن خروقات موثقة للاحتلال طالت مختلف بنود الاتفاق، شملت عمليات قتل واستهداف، وتعطيلًا للبروتوكول الإنساني، إلى جانب عرقلة إدخال المساعدات الإنسانية.
وتؤكد هذه المعطيات أن تلك الخروقات لم تكن حالات فردية، بل تأتي ضمن سياسة ممنهجة هدفت إلى تقويض الاتفاق وإفراغه من مضمونه العملي، ما ساهم في تعميق أزمة الثقة بين الأطراف.
في موازاة ذلك، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى الإدارة الأمريكية، حيث تُحمّلها جهات فلسطينية مسؤولية الفشل في ضمان تنفيذ الاتفاق أو مراقبة التزام الاحتلال ببنوده.
وترى هذه الجهات أن الموقف الأمريكي لا يزال يوفر غطاءً سياسيًا للاحتلال، من خلال التغاضي عن الخروقات وعدم ممارسة ضغط فعلي لإلزامه بالتفاهمات، ما ينعكس سلبًا على فرص التوصل إلى اتفاق مستدام.
***حسابات داخلية وضغوط متزايدة
وفي قراءة للمشهد، قال الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر إن الاحتلال الإسرائيلي اعتاد، في كل جولة تفاوض، التنصل من التزاماته، خاصة ما يتعلق بوقف إطلاق النار، سعيًا للحصول على مكاسب مرحلية دون الالتزام الكامل ببنود الاتفاق.
وأوضح أبو قمر أن المرحلة الأولى من الاتفاق لم تُنفذ حتى الآن كما هو متفق عليه، سواء فيما يتعلق بإدخال المساعدات بالكميات الكافية، أو توفير مستلزمات الإيواء، أو وقف الانتهاكات الميدانية، التي أسفرت عن استشهاد المئات خلال الأشهر الماضية.
وأضاف أن الاحتلال، في المقابل، تمكن من تحقيق أهدافه خلال هذه المرحلة، وعلى رأسها الإفراج عن عدد من جنوده الأسرى، قبل أن يتهرب من الانتقال إلى المرحلة الثانية، رغم الضغوط التي مارسها الوسطاء.
وأشار إلى أن فتح معبر رفح جاء متأخرًا وتحت الضغط، وبصورة مخالفة للآليات المتفق عليها، ما يعكس استمرار سياسة الالتفاف على بنود الاتفاق.
وبيّن أبو قمر أن الاحتلال تجاوز استحقاقات المرحلتين الأولى والثانية، متجهًا نحو طرح ملف نزع السلاح بشكل مباشر، رغم كونه بندًا مؤجلًا ضمن ترتيبات أوسع، معتبرًا أن هذا الطرح يمثل قفزًا على مسار الاتفاق.
وأكد أن ملف نزع السلاح لا يمكن التعامل معه بمعزل عن حل سياسي شامل للقضية الفلسطينية، يشمل قطاع غزة والضفة الغربية، ويستند إلى رؤية واضحة تضمن استقرارًا طويل الأمد.
ولفت إلى أن الفصائل الفلسطينية تتعامل مع المفاوضات بواقعية، من خلال التمسك بضرورة استكمال تنفيذ المراحل المتفق عليها أولًا، قبل الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيدًا.
وأوضح أن الاحتلال يتحرك ضمن مسارين؛ الأول ممارسة الضغط الميداني والسياسي لدفع الفصائل نحو القبول بشروطه، والثاني تسريع وتيرة التفاوض في ظل اعتبارات داخلية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وأشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى لتحقيق إنجاز سياسي في غزة خلال الأشهر المقبلة، في ظل تعثره في تحقيق مكاسب على جبهات أخرى، ما يدفعه لتكثيف الضغط في هذا الملف.
**آفاق الحل
ويجمع مراقبون على أن أي تقدم حقيقي في مفاوضات القاهرة يتطلب إلزام الاحتلال بتنفيذ كامل بنود الاتفاق، بما يشمل الانتقال إلى المرحلة الثانية دون انتقائية، بدلًا من إعادة تدوير صيغ جزئية أو مؤقتة.
كما ترفض الفصائل الفلسطينية محاولات تحميلها مسؤولية تعثر المفاوضات، مؤكدة أن جوهر الأزمة يكمن في تنصل الاحتلال من التزاماته، واستمراره في تعطيل الوصول إلى اتفاق شامل يضمن وقف الحرب بشكل كامل.
في ظل هذه التعقيدات، تبقى مفاوضات القاهرة رهينة التوازنات السياسية والضغوط الدولية، وسط تساؤلات متزايدة حول إمكانية تحقيق اختراق حقيقي ينهي الحرب، أو استمرار حالة الجمود التي تُبقي الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة معلقة بانتظار توافقات لم تنضج بعد.
مفاوضات القاهرة .. تعنت الاحتلال يعطل الانتقال للمرحلة الثانية
الرسالة نت-خاص