تستعد حركة فتح لعقد مؤتمرها العام الثامن في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الكارثة المستمرة على قطاع غزة، والتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية، والأزمة المالية والسياسية التي تواجه السلطة الفلسطينية، مع تحولات إقليمية متسارعة.
ويبدو المؤتمر الثامن لحركة فتح أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي؛ إنه معركة داخلية لإعادة ترتيب موازين القوى داخل الحركة والنظام السياسي الفلسطيني ككل، فإذا نجح في إحداث مراجعة سياسية وتنظيمية حقيقية وهذا مستبعد، فقد يشكل فرصة لإعادة بناء الشرعية الفتحاوية. أما إذا اقتصر على إعادة تدوير النخب ذاتها كما تشير الترتيبات والمقدمات تحت عناوين التجديد والإصلاح، فإنه قد يعمّق أزمة الثقة داخل الحركة ويكرّس صورة فتح كحزب يستحوذ على السلطة ويلغى كونها حركة تحرر وطني.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه المؤتمر ليس فقط من سيفوز بعضوية اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، بل ما إذا كانت فتح قادرة أصلًا على إنتاج نموذج تنظيمي وسياسي جديد يواكب التحولات الفلسطينية والإقليمية، أم أنها تواصل إدارة أزمتها عبر إعادة إنتاج مراكز القوة التقليدية بأدوات وأشكال مختلفة.
وبينما تقدّم الحركة المؤتمر باعتباره محطة تنظيمية ضرورية لتجديد مؤسساتها وضخ دماء جديدة في أطرها القيادية، تكشف المعطيات المتعلقة بتركيبة المشاركين وآليات الإعداد عن جدل واسع يتجاوز البعد التنظيمي، ليطال جوهر الشرعية الداخلية ومستقبل الحركة نفسها, كما تحمل المؤشرات عدة ابعاد تعكس نتائج المؤتمر مسبقاً.
أولا: من حيث الشكل، يبدو المؤتمر استحقاقًا طال انتظاره، بعد سنوات من التأجيل والتآكل التنظيمي. ففتح، التي تعتبر جزء أساسي من النظام السياسي الفلسطيني، تدرك أن استمرار تعطّل مؤسساتها الداخلية ينعكس مباشرة على شرعية السلطة ومنظمة التحرير. لذلك، يحمل الخطاب السياسي الداعم للانعقاد المؤتمر رسالة سياسية مزدوجة: الاولى إلى الداخل الفتحاوي بأن الحركة لا تزال قادرة على إعادة ترتيب بيتها الداخلي، والثانية إلى الخارج الإقليمي والدولي بأن الحركة قادرة على إجراء إصلاحات طال انتظارها.
ثانيا: خلف الخطاب الرسمي تبرز مؤشرات توحي بأن المؤتمر هو مجرد آلية لإعادة إنتاج البنية القيادية ذاتها، بدلًا من إحداث مراجعة حقيقية.
سيطرة الأجهزة الأمنية: فالأرقام الخاصة بتشكيلة المؤتمر تعكس حضورًا كبيرا للأجهزة الأمنية، التي تمثل الكتلة الأكبر بما يقارب 400 عضو، في دلالة واضحة على هيمنة الأجهزة الأمنية داخل الحركة.
وهذه الهيمنة لا تبدو مجرد تفصيل تنظيمي، بل تعكس التحول الكبير في بنية فتح من حركة تحرر وطني ذات امتدادات جماهيرية واسعة إلى إطار أقرب لحزب سلطة، يتكئ على البيروقراطية الرسمية والأجهزة الأمنية لضبط التوازنات الداخلية.
تحالف المال مع السلطة: حيث يلفت الانتباه الحضور الواسع لرجال الأعمال ضمن عضوية المؤتمر، مثل بشار المصري وآخرين، ما يعكس تصاعد نفوذ الطبقة الاقتصادية داخل دوائر القرار الفتحاوي.
هذه الظاهرة تكشف عن تحول إضافي في طبيعة الحركة، حيث باتت المصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ تلعب دورًا متزايدًا في تشكيل مراكز القوة، في مشهد يعزز الانطباع بانتقال فتح تدريجيًا من منطق الحركة الوطنية إلى منطق إدارة السلطة والتحالفات الاقتصادية.
الوريث: فقد برز اسم ياسر عباس نجل رئيس السلطة ضمن أطر المؤتمر، والتحركات التي يُقال إنها تمهد لدخوله لاحقًا إلى اللجنة المركزية، ما يضيف بُعدًا آخر للجدل. فهذه المشاركة تُقرأ لدى مراقبين باعتبارها مؤشرًا على تداخل متزايد بين البعد العائلي والسياسي داخل الحركة، وتغذي المخاوف من هيمنة رئيس الحركة وأبنائه على فتح والسلطة معا، كما تعكس أن البعد الشخصي والعائلي هو المعيار الأساسي لاختيار مرشحي الحركة وليس عبر المسارات التنظيمية التقليدية.
تداخل فتح مع مؤسسات السلطة: حيث يبرز تداخل واضح بين الحركة ومؤسسات السلطة، مع مشاركة نحو 130 عضوًا من الحكومة، و134 عضوًا من منظمة التحرير، إضافة إلى 45 سفيرًا، وهو أحد أهم تجليات الأزمة الداخلية للحركة التي انصهرت لصالح السلطة.
تهميش غزة والخارج: على المستوى الجغرافي، ورغم وجود تمثيل من قطاع غزة والخارج، لا يزال مركز الثقل الفعلي متمركزًا في الضفة الغربية، سواء على مستوى القرار أو القيادة. أما مشاركة غزة، فرغم رمزيتها السياسية في ظل الحرب والدمار، تبدو أقل تأثيرًا فعليًا في صياغة التوازنات الداخلية.
تمثيل شكلي: و يثير تمثيل قطاعات أخرى تساؤلات لا تقل أهمية، فرغم الحضور العددي للنقابات والشبيبة والمرأة، ينظر لهذه التمثيلات بأنها شكلية إلى حد بعيد، كونها مرتبطة تنظيميًا بالحركة ولا تعبّر عن استقلالية فعلية. كما أن التمثيل المحدود للمقاومة الشعبية، الذي لا يتجاوز 21 عضوًا، يكشف عن تراجع واضح لهذا الخيار داخل أولويات الحركة.
الجدل الأبرز يرتبط بآليات اختيار أعضاء المؤتمر. إذ تشير تسريبات ومواقف من داخل الحركة إلى غياب معايير شفافة في إدراج عدد من الأسماء، سواء ضمن “الكفاءات الفردية” أو “الإضافات المتفرقة”، ما يعيد للأذهان الأزمات والانقسامات التي جرت في فتح في المؤتمر السادس والسابع نتيجة الولاءات الشخصية وهيمنة أصحاب النفوذ في السلطة والأجهزة الأمنية على الحركة.
وتكتسب هذه الانتقادات وزنًا إضافيًا مع موقف عضو اللجنة المركزية ناصر القدوة، الذي أعلن مقاطعته للمؤتمر، معتبرًا أنه لا يستند إلى نظام داخلي واضح ولا إلى انتخابات حقيقية في الأقاليم، بل إلى آلية تعيد إنتاج الهيئات القيادية نفسها عبر لجان تحضيرية تسيطر على اختيار الأعضاء.
هذا النقد يضرب في صميم شرعية المؤتمر، لأن الإشكالية هنا ليست في عقد المؤتمر بحد ذاته، بل في طبيعة العملية التنظيمية التي سبقته. فإذا كانت القواعد التنظيمية لم تُمنح دورًا فعليًا في اختيار ممثليها، فإن مخرجات المؤتمر ستُقرأ بوصفها نتاجًا لترتيبات فوقية أكثر منها تعبيرًا عن إرادة داخلية.
واعتمدت حركة فتح 2514 عضواً للمشاركة في مؤتمرها العام الثامن المقرر عقده في رام الله، بعد أسابيع مع وجود تقديرات أخرى تشير إلى 2553 عضواً.
و يشمل هؤلاء كوادر من الضفة، غزة، والخارج، وممثلين عن النقابات، الشبيبة، الأجهزة الأمنية، والأسرى المحررين.
ويهدف المؤتمر بالأساس إلى اعادة ترتيب الوضع التنظيمي، انتخاب لجنة مركزية ومجلس ثوري جديدين، وإقرار برامج سياسية ووطنية جديدة.
الأمن والمال لتدوير النخبة القديمة.. من يسيطر على المؤتمر الثامن لفتح؟
الرسالة نت-خاص