في مشهد يتجاوز حدود الحرب التقليدية، يواجه سكان قطاع غزة تهديدًا بيئيًا وصحيًا متصاعدًا، يتمثل في انتشار غير مسبوق للقوارض والأوبئة داخل مخيمات النزوح والمناطق المدمرة، ما ينذر بكارثة إنسانية مركّبة تضرب المدنيين في صميم حياتهم اليومية.
أدت الحرب إلى انهيار شبه كامل في البنية التحتية البيئية، حيث تراكمت النفايات، وتضررت شبكات الصرف الصحي، واختلطت المياه الملوثة بمصادر الحياة، ما خلق بيئة خصبة لتكاثر القوارض والحشرات الناقلة للأمراض.
وتحذر تقارير أممية من تفشٍ واسع للأمراض الجلدية والعدوى داخل مئات مخيمات النزوح، بالتوازي مع انتشار القوارض بشكل لافت، الأمر الذي يعقّد الوضع الصحي ويهدد بموجات وبائية متلاحقة.
لم تعد القوارض مجرد ظاهرة بيئية، بل تحولت إلى خطر مباشر على السكان، حيث تُسجَّل آلاف حالات العض، خاصة بين الأطفال، وسط عجز شبه كامل عن السيطرة عليها.
ويروي السكان كيف باتت الفئران تهاجمهم أثناء النوم، وتنهش الطعام والملابس، بل وتُصيب الأطفال بجروح، في ظل غياب وسائل الحماية أو المكافحة الفعالة.
تحذيرات حقوقية
أعرب مركز غزة لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء التدهور البيئي والصحي غير المسبوق في قطاع غزة، مؤكدًا أن الأوضاع وصلت إلى مستويات كارثية تهدد حياة مئات آلاف النازحين والمواطنين، بفعل تداعيات العدوان العسكري واستمرار الحصار.
وأوضح المركز أن فرقه الميدانية رصدت تفشيًا واسعًا للقوارض، بما في ذلك الجرذان والفئران، إلى جانب الحشرات الضارة، بالتزامن مع استمرار القيود المفروضة على إدخال المستلزمات الأساسية اللازمة لمكافحة هذه الآفات.
أرقام صادمة: أزمة نفايات غير مسبوقة
ووفقًا لبيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد تراكم نحو 900 ألف طن من النفايات في قطاع غزة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وديسمبر/كانون الأول 2025، في واحدة من أشد الأزمات البيئية في التاريخ المعاصر للمنطقة.
كما تشير تقديرات مجموعة WASH إلى وجود أكثر من 340 ألف طن من النفايات قرب مناطق إيواء النازحين، في حين يقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة حجم الركام الناتج عن تدمير المباني بنحو 40 مليون طن داخل القطاع.
تتفاقم الأزمة مع استمرار منع نقل النفايات إلى المكبات الرسمية الواقعة ضمن ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء"، إضافة إلى تدمير أو مصادرة أكثر من 100 آلية لجمع النفايات، فيما تعاني الآليات المتبقية من نقص حاد في الوقود ومواد الصيانة.
ويؤكد مختصون أن هذا التراكم الهائل للنفايات في محيط خيام النازحين لا يمثل مجرد مشكلة بيئية، بل يشكّل بيئة مثالية لتفشي الأمراض، ما ينذر بكارثة وبائية وشيكة.
شلل خدمات النظافة
تتفاقم الأزمة مع استمرار منع نقل النفايات إلى المكبات الرسمية الواقعة ضمن ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء"، إضافة إلى تدمير أو مصادرة أكثر من 100 آلية لجمع النفايات، فيما تعاني الآليات المتبقية من نقص حاد في الوقود ومواد الصيانة.
ويؤكد مختصون أن هذا التراكم الهائل للنفايات في محيط خيام النازحين لا يمثل مجرد مشكلة بيئية، بل يشكّل بيئة مثالية لتفشي الأمراض، ما ينذر بكارثة وبائية وشيكة.
ويحذر مختصون من أن انتشار القوارض يفتح الباب أمام أمراض خطيرة مثل الطاعون، والسالمونيلا، وفيروسات معدية، إلى جانب أمراض تنتقل عبر المياه والغذاء الملوثين.
كما سُجلت أعراض صحية مقلقة تشمل الحمى والتهابات الجهازين التنفسي والهضمي، ما يعكس تصاعد خطر الأوبئة في القطاع.
تحذيرات طبية
حذّر الدكتور بسام زقوت من أن مرض داء الليبتوسبيرا، الذي ينتقل عبر بول الجرذان، بدأ يتحول من خطر محتمل إلى واقع فعلي داخل المخيمات.
وأشار إلى أن دراسة نشرتها دورية Public Health عام 2025 بيّنت أن تدمير شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات خلق بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات، في ظل غياب شبه كامل لوسائل المكافحة.
وتتفاقم الأزمة بسبب القيود المفروضة على إدخال المبيدات ومواد مكافحة القوارض، ما يحرم الجهات المختصة من أدوات السيطرة، ويُبقي السكان في مواجهة مفتوحة مع هذا الخطر المتنامي.
اتهامات بانتهاك القانون الدولي
اتهم المركز الحقوقي سلطات الاحتلال بمواصلة حظر إدخال المبيدات بذريعة "الاستخدام المزدوج"، معتبرًا ذلك توظيفًا ممنهجًا للأزمة البيئية كأداة ضغط على المدنيين.
وأشار إلى أن المادة (55) من اتفاقية جنيف الرابعة تُلزم القوة القائمة بالاحتلال بضمان الرعاية الصحية والإمدادات الطبية، وهو ما يجري انتهاكه بشكل واضح.
كما شدد على أن تدمير منظومة إدارة النفايات وحرمان السكان من وسائل مكافحة الآفات يشكّلان نمطًا من العقاب الجماعي المحظور، وقد يرقى إلى خلق ظروف معيشية غير قابلة للحياة، بما يتعارض مع نظام روما الأساسي.
طالب المركز المجتمع الدولي بالتحرك الفوري للضغط من أجل فتح المعابر، وإدخال المعدات اللازمة لإزالة النفايات، والسماح بإدخال المبيدات، وتوفير الوقود لتشغيل الآليات.
كما دعا منظمة الصحة العالمية ووكالات الأمم المتحدة إلى إرسال فرق متخصصة لتقييم المخاطر البيئية، وتوفير الأدوية واللقاحات لمواجهة أوبئة محتملة مثل الكوليرا والتيفوئيد والجرب.
ما يجري في قطاع غزة لم يعد مجرد أزمة بيئية عابرة، بل تحول إلى تهديد صحي ممنهج، تتكامل فيه آثار الحرب والحصار مع التلوث وانهيار الخدمات، ليشكّل واقعًا قاتلًا صامتًا يحاصر المدنيين يوميًا، ويضعهم أمام خطر غير مرئي… لكنه شديد الفتك.