إذا عادت الحرب على قطاع غزة، فلن يكون ذلك نتيجة "خرقٍ" قائم، بقدر ما سيكون تعبيراً عن قرارٍ مُسبق بالتصعيد.
فالمسألة في جوهرها ليست معقّدة كما يحاول البعض تصويرها: لم يتم الاتفاق على "نزع السلاح" ضمن نص مُلزِم، وما زال هذا البند محل خلاف تفاوضي، وعليه فإن رفضه لا يُشكّل خرقاً قانونياً.
إن تقديم هذا الرفض كـ "عدم التزام" لا يستند إلى أساس قانوني، بل يعكس محاولة لإعادة تعريف الخلاف التفاوضي على أنه مخالفة، تمهيداً لتبرير استخدام القوة.
لا خرق دون التزام
القاعدة القانونية مستقرة: "لا يمكن الحديث عن خرقٍ دون وجود التزام صريح"، قائم على اتفاق واضح وإرادة متطابقة بين الأطراف.
وفي هذا السياق، يظل "نزع السلاح" مطلباً تفاوضياً يطرحه الاحتلال، لا التزاماً قانونياً وقعت عليه المقاومة.
وبالتالي، فإن تحويل هذا المطلب إلى ذريعة للقتال يمثّل خروجاً عن مبدأ "حسن النية"، الذي يُعد أحد أعمدة السلوك القانوني في التفاوض الدولي؛ فأنت لا تحارب جارك لأنه رفض طلباً لم يوافق عليه أصلاً.
من التفاوض إلى صناعة الذريعة
عندما يُعاد تقديم مطلب تفاوضي على أنه التزام قانوني، فإننا لا نكون أمام سوء فهم، بل أمام نمط سياسي يقوم على:
● نقل الخلاف من طاولة التفاوض إلى ساحة القتال.
● تحويل "عدم القبول" السياسي إلى "مبرر" للتصعيد العسكري.
● إعادة صياغة الواقع القانوني بما يخدم قراراً عدوانياً مُسبقاً.
خطاب القوة.. وواقع القلق (لماذا يصنعون الخرق الآن؟)
قد يرى البعض في الدعم الدولي والتمويل اللامحدود للاحتلال صورة لـ "قوة مطلقة"، لكن الحقيقة التي يقر بها قادة الكيان في غرفهم المغلقة هي أن "قوة السلاح لا تعني القدرة على الحسم".
الاحتلال اليوم يصنع "خرقاً وهمياً" ليهرب من ثلاثة ثقوب سوداء تنهش كيانه:
1. أزمة "الهدف المفقود": الجيش يملك الطائرات، لكن القيادة لا تملك "خطة لليوم التالي".
هذا التخبط يحول الحرب إلى استنزاف لجنودهم بلا أفق، مما بدأ يثير تململاً داخل مؤسستهم العسكرية.
2. تآكل "الجبهة الداخلية": التمويل الدولي لا يشتري "الشعور بالأمن".
هناك أزمة ثقة حادة بين المستوطن وحكومته التي يراها عاجزة عن حمايته رغم ميزانيات المليارات.
3. الهروب من الانقسام (عقيدة "صناعة العدو") : الكيان ممزق داخلياً بين تيارات متصارعة، والحرب بالنسبة لقادتهم هي "الغراء" الوحيد الذي يمنع الانهيار.
هذا كيانٌ جُبل في أصله على العداوات، ولا يستطيع العيش دون "عدو" أو "حرب" تبرر وجوده وتوحد شتاته؛ فإن لم يجد عدواً صنعه، وإن لم يجد حرباً اخترع لها الذرائع.
لذا، هم يهربون من جحيم أزماتهم الداخلية إلى التصعيد ضدنا، كخيار وجودي لا مفر منه.
الخلاصة
إن الخلط بين الالتزام القانوني والمطلب التفاوضي ليس مجرد خطأ في التوصيف، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه روايات كاذبة لتبرير الحرب.
إذا عادت الحرب، فلن تكون نتيجة "عدم التزام" من طرفنا، بل نتيجة عجز الاحتلال عن انتزاع مواقف سياسية على الطاولة، ولجوئه إلى "صناعة ذريعة" لإضفاء غطاء قانوني على قرار سياسي مأزوم.
الحقيقة واضحة: لا يوجد خرق لشيء لم يُتفق عليه، والقوة التي تحاول فرض الشروط بالرصاص هي ذاتها القوة التي تعاني نزيفاً داخلياً لا يوقفه الدعم الخارجي.