ربما لا يكفي مقال إجلال نقدمه للصحافي الأجرأ، والأقوى، والأكثر ثباتًا ومصداقية؛ ببساطة لأن حكايتنا كادت أن تُدفن بصمت، والوجع يُروى همسًا، والدم يُمحى قبل أن يراه العالم، حتى جاءت الصورة والكلمة.
وجاء معها صحفي يحمل قلبه على كفّه، وعدسةً في مواجهة الموت، وقال للعالم: انظروا.
ربما لم يتخيّل الاحتلال يومًا تلك الشجاعة الخارقة التي يتحلّى بها الصحفي الفلسطيني. كانت مفاجأةً له، كما كانت مفاجأةً للعالم كله. ظنّ أن بإمكانه أن يُبيد الحكاية بصمت، فبدأ منذ اللحظة الأولى باستهداف من يرويها. دفع الصحفي الفلسطيني الثمن الأثقل؛ كانت حياته أول ما يُنتزع منه، ثم عائلته، ثم بيته. استُهدفت أسرهم، قُصفت منازلهم، فُجِعوا بأطفالهم، وخرجوا من تحت الركام مصابين، مثقلين بالفقد، لكنهم لم يتراجعوا.
كان الرهان أن يُكسروا، أن يتخلّوا عن رسالتهم، أن يصمتوا. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. كلما سقط صحفي، تقدّم آخر، يحمل الكاميرا نفسها، ويكمل الطريق ذاته، وكأن الرسالة لا تموت، بل تنتقل. لم يكن المشهد حزنًا فقط، بل إصرارًا غريبًا يشبه المعجزة.
الصحفي الفلسطيني لم يكتفِ برواية الحكاية… بل فرضها فرضًا. نعم، فرضها، لأننا—قبل هذه الإبادة—كنّا نُدفع تدريجيًا إلى الهامش، إلى خارج الصورة. كانت الرواية الفلسطينية تُحارب في كل شيء: في الدراما التي لا تُنتج، في الروايات التي لا تُطبع، في الصور التي لا تفوز، في المقالات التي لا تُنشر، وفي الصحفي الذي نادرًا ما يُسمح له أن يصل إلى المنصّة.
ثم جاءت الصورة الفلسطينية… تلك التي خرجت من قلب الإبادة، بعدسة صحفي فلسطيني، لتقول للعالم: رغمًا عنكم، سترون كل شيء.
وفجأة، لم يعد بالإمكان الإخفاء. لم تعد الانتهاكات روايات متنازعًا عليها، بل حقائق تُبث على الهواء، واضحة كالشمس، لا يمكن إنكارها ولا الالتفاف حولها. لم تعد الرواية الفلسطينية ضعيفة أو محاصرة، ولم تعد الرواية الإسرائيلية قادرة على طمسها كما كان يحدث سابقًا. انكشف كل شيء.
ما قبل السابع من أكتوبر لم يعد كما بعده. الذرائع التي كانت تُستخدم لتبرير كل شيء سقطت، واحدة تلو الأخرى. تغيّر المزاج العالمي، واتسعت دوائر التضامن، ووجدت القضية الفلسطينية طريقها إلى الواجهة، لا كخبر عابر، بل كقضية مركزية.
حتى الثقافة تغيّرت. الدراما العربية والأجنبية بدأت تتناول الحكاية، أعمال لاقت رواجًا واسعًا، وأفلام وصلت إلى منصات عالمية كبرى، بما فيها هوليوود. لم يكن ذلك صدفة، بل نتيجة مباشرة لتلك الصورة التي خرجت من غزة، والتي دفع ثمنها الصحفي الفلسطيني من دمه، ومن عمره، ومن كل ما يملك.
هكذا، لم ينقل الصحفي الفلسطيني الحقيقة فقط… بل أعاد صياغة حضورها في العالم.
ولا يمكن، في هذه اللحظة، أن ننسى زملاءنا الذين رحلوا… أولئك الذين تركوا لنا الصورة، وتركوا في أعناقنا الحكاية.
على مدار نحو ثلاثة أعوام من الإبادة، دفع الصحفي الفلسطيني ثمنًا يفوق الوصف. أكثر من 260 صحفيًا وصحفية استُشهدوا، في استهدافٍ لم يعد يُخفي نفسه.
لكن، رغم كل ذلك، لم تختفِ الصورة… بل تكاثرت!!
كما لا ننسى "صحافة المواطن" التي ظهرت كصرخة جماعية: كل من يحمل هاتفًا صار شاهدًا. كل مقطع مصوّر كان نجاةً من النسيان، وكل بث مباشر كان كسرًا لمحاولة الإخفاء. هكذا، أصبحت غزة حاضرة على الهواء، 24 ساعة يوميًا، في سابقة لم يشهدها التاريخ الحديث.
وهنا، نستحضر مقارنة مؤلمة.
قبل أيام، مرّ خبر عابر عبر شبكات التواصل؛ يتيمًا، متأخرًا، دون أي صور. ففي السودان، وتحديدًا في الفاشر، تسربت أنباء عن 6000 شهيد خلال ثلاثة أيام. رقمٌ مهول، يكاد يعادل مدنًا تُمحى، ومع ذلك مرّ الخبر كأنه همس. لم تصل العدسات، ولم يكن هناك من يحرس الحكاية من الغياب.
أما في غزة، فقد كان هناك من قرر ألا تختفي؛ صحفيون، ومواطنون، وعدسات لا تنام.
ليست المقارنة هنا للمفاضلة بين الألم، فكل إبادة وجع مطلق، لكن الفرق يكمن في الشاهد؛ فيمن بقي حيًا ليقول: هذا ما حدث، فيمن واجه الموت كي لا يموت المعنى.
الصحفي الفلسطيني لم يكتفِ بنقل الصورة، بل حمى الذاكرة. جعل من الحقيقة حدثًا لا يمكن إنكاره، ومن الضحية صوتًا لا يمكن إسكاتُه. لولاه، لكانت غزة رقمًا عابرًا، أو خبرًا مؤجلًا، أو مأساةً تُطوى كما طُويت مآسٍ أخرى.
في هذا اليوم، لا يكفي أن نقول شكرًا،
ولا يكفي أن نكتب امتنانًا،
لكننا نحاول…
نحاول أن نقول: لقد رأينا… لأنكم جعلتمونا نرى.
مقال: لم نكن نُرى… حتى تكلمت الصور
رشا فرحات