قائمة الموقع

أرصدة محتجزة وأبواب مغلقة: أزمة الثقة تضرب القطاع المصرفي بغزة

2026-05-05T00:17:00+03:00
صورة "أرشيفية"
الرسالة نت- خاص

في ظل الانهيار الاقتصادي المتسارع الذي يعيشه قطاع غزة، برزت أزمة مصرفية متفاقمة تشكل تهديدا مباشرا للاستقرار المعيشي والاقتصادي، حيث يواجه المواطنون وأصحاب الأعمال تضييقات متزايدة على حساباتهم البنكية، شملت تقييد الحوالات الخارجية وتجميد الأرصدة دون توضيحات كافية.

وتشير معطيات ميدانية وشهادات متضررين وصل إليها معد "التحقيق" إلى أن هذه الإجراءات لم تعد حالات فردية بل تحولت إلى ظاهرة واسعة تتداخل فيها سياسات الامتثال المصرفي مع واقع اقتصادي هش، ما أدى إلى حرمان آلاف المواطنين من الوصول إلى أموالهم في وقت تتزايد فيه الحاجة لكل مورد مالي.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه البنوك أن هذه الإجراءات تأتي ضمن متطلبات تنظيمية، يرى متضررون وخبراء أن غياب الشفافية وضعف قنوات التواصل إلى جانب تضارب المسؤوليات بين الجهات المختلفة، فاقم الأزمة وخلق حالة من الإرباك وعدم الثقة في النظام المصرفي.

معاناة مستمرة

ويقول المواطن خضر جريس إن ما يجري مع الحسابات البنكية يتعارض مع أبسط القواعد المصرفية، مشددا على ضرورة التزام البنوك بإعلام العملاء بأي إجراء يتعلق بحساباتهم.

ويوضح جريس لـ"الرسالة نت": "يجب على البنك أن يقوم بإعلام العميل عبر أي وسيلة تواصل بأسباب الحجز وآلية التعامل معه، فلا يجوز قانونيا أو عرفيا التصرف بالحساب دون إشعار صاحب العلاقة".

ويضيف: "نعاني من حجز مبلغ في حسابي دون معرفة السبب، ولم أتمكن من فهم ما يجري إلا بعد مراجعات متكررة وتدخل أطراف متعددة، حيث كانت كل جهة تلقي المسؤولية على الأخرى، بين رام الله ومصر".

ويؤكد أنه لا يترتب عليه أي قرض، باستثناء كفالة لأخته الموظفة، وهي مستعدة للسداد، ومع ذلك لم يتم فك الحجز. ويتابع: "لم أجد جهة واضحة تحل المشكلة وأشعر أن التعامل أصبح تعسفيا، فلا تستطيع المتابعة ولا تجد من يبت في الموضوع"، مطالبا بضرورة وضع آليات واضحة وشفافة للتعامل مع هذه الحالات.

حقيق خاص لـ "الرسالة نت: مودعون يطالبون بإجابات عاجلة.. أين اختفت صناديق الأمانات في بنك فلسطين؟!

وتؤكد جهات مختصة أن سلطة النقد، بصفتها الجهة المنظمة، ملزمة بإلزام البنوك بإعلام العملاء بأسباب أي تقييد أو تجميد، وآليات إعادة التفعيل.

في حين، تروي المواطنة نداء سمير تجربتها مع تجميد حسابها البنكي، مشيرة إلى أنها فوجئت بالقرار دون أي إشعار مسبق، رغم بساطة وضعها المالي. وتقول: "تم تجميد حسابي قبل أسبوع وانصدمت لأن الحساب لا يحتوي إلا على راتب تقاعدي بسيط بقيمة 2000 شيكل يصل كل شهرين".

وتوضح أنها تعتمد على هذا المبلغ في تلبية احتياجات أساسية، إضافة إلى تحويله بشكل فوري لمستحقين داخل غزة، ما يجعل تجميده يضعها في موقف صعب. وتضيف: "لا يوجد أي نشاط مالي غير طبيعي ومع ذلك تم التجميد دون توضيح".

وتشير إلى أن غياب التواصل من البنك يزيد من حالة القلق، خاصة في ظل عدم وجود جهة واضحة تقدم إجابات، ما يترك المواطن في حالة من الغموض وعدم اليقين بشأن مصير أمواله.

تضرر القطاعات الاقتصادية

ويكشف مصدر في الغرفة التجارية أن الأزمة لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد لتشمل قطاع الأعمال، مشيرًا إلى اجتماعات سابقة عُقدت مع البنوك، خاصة بنك فلسطين، بحضور سلطة النقد، حيث تم تقديم وعود بتسهيلات لم تتحقق.

ويقول المصدر لـ"الرسالة نت": "على العكس، شهدنا مزيدا من التعقيدات، خاصة من بنك فلسطين، وهو أمر لم يكن متوقعا من بنك وطني". ويضيف أن القطاع التجاري كان يأمل في معاملة أفضل لظروف غزة الاستثنائية.

ويتابع: "الموضوع يستحق متابعة من الإدارة المركزية، فبنك بهذا الحجم يجب أن يوضح سياساته ويتواصل مع العملاء بدل تعقيد الأمور". كما يشير إلى أن غياب المرجعية الواضحة لحل المشكلات، سواء في البنك أو سلطة النقد، يزيد من معاناة المواطنين.

وتؤكد معطيات حصل عليها معد التحقيق أن تجميد الحسابات قد يمتد ليشمل بنوكا أخرى ومحافظ إلكترونية، ما يؤدي إلى شلل مالي كامل للمواطن.

ويؤكد مصدر مصرفي مطلع أن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم عبر الشكاوى الفردية، بل تتطلب تحركا مؤسسيا منظما يقوده القطاع الخاص والجهات الاقتصادية.

ويقول المصدر لـ"الرسالة نت" إن الضغط المؤسسي على سلطة النقد هو المسار الأكثر فاعلية لتحقيق نتائج ملموسة، خاصة في ظل تعقيد المشهد المصرفي الحالي".

ويضيف: "تجارب العمل العام أثبتت أن التحركات الجماعية التي تقودها الغرف التجارية والاتحادات المهنية قادرة على إحداث تغيير حقيقي، بخلاف المبادرات الفردية التي غالبا ما تبقى محدودة التأثير".

ويرى أن ما يحدث اليوم في ملف الحسابات المجمدة يعكس غياب التنسيق المؤسسي، وترك المواطنين يواجهون الأزمة بشكل منفرد.

ويشير إلى أن هذه القضية لم تعد حالة فردية، بل أصبحت ظاهرة عامة تمس شريحة واسعة من المجتمع، من موظفين وتجار وأصحاب أعمال، خاصة في ظل حجز الرواتب والمدخرات وتعطيل المصالح اليومية.

عطيل المصالح وفتح باب المخاطر.. بنك فلسطين يرفض هويات غزة

ويؤكد أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي ويقوض ما تبقى من ثقة في النظام المصرفي.

ومن واقع الخبرة، يشدد المصدر على ضرورة تشكيل مجموعات ضغط منظمة تضم مؤسسات اقتصادية وإعلاميين ونخب مجتمعية، بهدف صياغة موقف موحد يتم توجيهه إلى سلطة النقد الفلسطينية، بصفتها الجهة الناظمة.

ويضيف أن هذا الضغط يجب أن يكون مدعوما بحضور إعلامي مكثف، يعكس حجم المشكلة ويضعها في صدارة الأولويات.

ويتابع أن إصلاح العلاقة بين البنوك والعملاء يبدأ من تصويب العلاقة بين سلطة النقد والمواطنين في غزة، من خلال وضع آليات واضحة وشفافة للتعامل مع الحسابات المجمدة، وضمان عدم تعسف البنوك في استخدام صلاحياتها.

أزمة لها توابع

ويؤكد اقتصاديون أن استمرار الأزمة المصرفية في غزة يتطلب تحركا عاجلا ومنظما، مشددين على أن الضغط المؤسسي يمثل الأداة الأكثر فاعلية لإحداث تغيير حقيقي.

ويشيرون في أحاديث منفصلة لـ"الرسالة نت" إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن العمل الجماعي المنظم عبر الغرف التجارية والاتحادات المهنية، قادر على فرض استجابات ملموسة من الجهات التنظيمية.

ويرى خبراء أن ترك المواطنين يواجهون هذه الأزمة بشكل فردي يضعف فرص الحل، ويؤدي إلى تفاقم المشكلة، خاصة في ظل غياب قنوات تواصل واضحة.

ويؤكدون أن المطلوب في هذه المرحلة هو توحيد الجهود ضمن إطار مؤسسي، يهدف إلى إيصال صوت المتضررين بشكل أقوى.

كما يشددون على أهمية تكثيف الحضور الإعلامي المنظم، باعتباره أداة ضغط فعالة تسهم في تسليط الضوء على القضية، ودفع الجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية.

ويخلصون إلى أن معالجة هذه الأزمة تتطلب توازنا دقيقا بين متطلبات الامتثال المالي وحماية حقوق المواطنين.

إجراءات تنظيمية

في رد وصفه متابعون بغير الكافي، أوضح مصدر في بنك فلسطين أن تجميد الحسابات يأتي ضمن إجراءات تنظيمية تتعلق بتصنيف الحسابات.

وأشار المصدر لـ"الرسالة نت" إلى أن الحسابات غير التجارية، مثل حسابات الموظفين ذوي الدخل المحدود أو ربات المنازل، تخضع لسقف مالي لا يتجاوز 2000 دولار.

وأوضح أنه في حال تجاوز هذا السقف، يتم تجميد الحساب لمدة شهر، إلى حين قيام العميل بتحديث بياناته، حيث يتم إرسال إشعار له بضرورة مراجعة أحد الفروع خلال فترة محددة، وفي حال عدم الاستجابة، يتم تمديد المهلة قبل اتخاذ إجراءات إضافية.

كما أشار إلى وجود حالات يتم فيها تجميد الحسابات بشكل كامل تحت بند "مكافحة غسل الأموال"، مؤكدا أن هذه الحالات لا يوجد لها حل حتى الآن، وهو ما أثار مخاوف واسعة بين المواطنين.

ويرى اقتصاديون أن هذا التوضيح لا يعالج جوهر المشكلة، خاصة في ظل غياب الشفافية حول معايير التصنيف وآليات الاعتراض.

ويشير المصدر المصرفي إلى أن أخطر ما ورد في رد البنك هو الإقرار بوجود حالات تجميد تحت بند "غسل الأموال" دون وجود حلول واضحة لها، معتبرا أن هذا الأمر يثير قلقا بالغا.

ويقول إن المشكلة تكمن في إدراج شريحة واسعة من المواطنين ضمن هذا التصنيف دون مبررات كافية، ما يؤدي إلى تقييد أموالهم بشكل كامل. ويؤكد أن هذا يتطلب تدخلا عاجلا من سلطة النقد، بصفتها الجهة المختصة قانونيا.

ويشدد على ضرورة فتح قنوات تواصل شفافة مع المواطنين، تتيح لهم معرفة أسباب التجميد وتقديم اعتراضاتهم، مع ضمان معالجة سريعة وعادلة. ويختم المصدر: "الرد الحالي غير منطقي ويعطي البنوك صلاحيات واسعة دون رقابة كافية".

ورغم المحاولات المتكررة التي بذلها معد التحقيق للتواصل مع سلطة النقد، سواء عبر الاتصالات المباشرة أو المراسلات الرسمية، لم يتم تلقي أي رد حتى لحظة كتابة التحقيق، ما يعكس حالة من الغموض وغياب الشفافية في التعامل مع أزمة تمس حياة المواطنين اليومية.

هذا الصمت يثير تساؤلات جدية حول دور الجهة المسؤولة في إدارة الملف النقدي، خاصة في ظل تفاقم أزمة السيولة وتزايد شكاوى الأفراد والقطاع الخاص.

وبحسب ما يظهر من الواقع الميداني، تبدو سلطة النقد وكأنها ترفض اتخاذ إجراءات حقيقية وملموسة للحد من الأزمة، مكتفية بمواقف عامة لا تنعكس على أرض الواقع.

هذا التباعد بين التصريحات والفعل يعزز الانطباع بأن المشكلة لم تعد اقتصادية بحتة، بل تحمل أبعادا سياسية معقدة، قد تكون السبب في تعطل الحلول واستمرار حالة التدهور النقدي.

لا معايير محددة

في حين، يوضح موظف يعمل في أحد البنوك أن المشكلة تعود جزئيا إلى غياب معايير موحدة لعمل دوائر الامتثال، حيث تختلف السياسات من بنك لآخر. ويقول إن هذا الاختلاف يعكس ضعفا في دور سلطة النقد في توحيد التعليمات.

ويشير إلى أن كل بنك يضع سياساته الخاصة، ما يؤدي إلى تضارب في الإجراءات، وخلق حالة من الإرباك لدى العملاء.

ويؤكد أن الحل يكمن في إصدار تعليمات واضحة وموحدة لجميع البنوك، تأخذ بعين الاعتبار طبيعة كل شريحة من العملاء.

كما يدعو إلى وضع آلية سريعة لمعالجة حالات التجميد، بحيث لا تستمر لفترات طويلة تعطل مصالح المواطنين، مقترحًا تقليص مدة التجميد وتسهيل الإجراءات.

وتكشف أزمة تجميد الحسابات في غزة عن خلل عميق في العلاقة بين البنوك والعملاء، في ظل غياب الشفافية وتضارب المسؤوليات.

وبينما تبرر البنوك إجراءاتها بمتطلبات الامتثال، يرى المواطنون أنها تمس حقوقهم الأساسية في الوصول إلى أموالهم. وفي ظل واقع اقتصادي هش تصبح هذه القيود عاملا إضافيا في تعميق الأزمة.

ويبقى الحل مرهونا بتدخل جاد من سلطة النقد، يوازن بين الالتزامات التنظيمية وحماية المواطنين ويعيد الثقة في النظام المصرفي.

اخبار ذات صلة