تمر أسواق قطاع غزة بحالة من عدم التوازن الاقتصادي العميق، تتجلى في تذبذب حاد وغير منتظم في الأسعار، ما يعكس خللا يتجاوز التفسير التقليدي القائم على العرض والطلب.
فالسوق لم يعد يستجيب لآليات تنافسية طبيعية، بل بات محكوما بقيود خارجية وتشوهات داخلية تؤثر مباشرة على سلوك التسعير وتوزيع السلع.
عمليا، يظهر هذا الخلل في صورة فائض مؤقت في بعض السلع يقابله نقص حاد في سلع أخرى، فعندما يتم إدخال كميات كبيرة من صنف معين تنخفض أسعاره بشكل سريع نتيجة الإغراق، بينما ترتفع أسعار سلع أخرى بسبب محدودية توفرها.
هذا النمط لا يعكس كفاءة السوق بل يشير إلى غياب التنسيق في قرارات الاستيراد، حيث يتم ضخ السلع بناءً على اعتبارات الربحية وليس وفق احتياجات الاستهلاك الفعلي.
الأرقام المتاحة تعزز هذا التحليل، إذ تشير التقديرات إلى أن الكميات الداخلة إلى القطاع لا تغطي سوى نحو 25% من الاحتياجات الفعلية، ما يعني أن السوق يعمل تحت ضغط نقص مزمن في المعروض.
في هذا السياق، يصبح أي تدفق إضافي لسلعة معينة سببا في انخفاض سعرها بشكل مؤقت، قبل أن تعود الدورة إلى الاتجاه المعاكس مع شح سلع أخرى.
إضافة إلى ذلك، يساهم توجيه جزء من الواردات نحو السلع الثانوية في تعميق الاختلال، فبدلا من تحقيق توازن في السلع الأساسية، يتم تخصيص حصة ملحوظة من الشاحنات لسلع ذات هامش ربح أعلى، ما يقلل من كفاءة توزيع الموارد داخل السوق.
هذا السلوك، رغم منطقيته من منظور التاجر، يؤدي إلى تشوهات سعرية واضحة ويزيد من فجوة الاستقرار.
كما تلعب القيود المفروضة على دخول البضائع دورا محوريا في إعادة إنتاج الأزمة، حيث تؤدي فترات إغلاق المعابر أو تقليص عدد الشاحنات إلى خلق دورات متكررة من "الإغراق المؤقت" يعقبها "شح حاد"، وهو ما يمنع استقرار الأسعار على المدى المتوسط.
ولذلك، لا يمكن فهم ما يحدث في أسواق غزة باعتباره تقلبا عابرا، بل هو نتيجة مباشرة لبنية اقتصادية هشة تعاني من نقص السيولة السلعية وضعف التنسيق واحتكار جزئي في قنوات الاستيراد.
ولعل معالجة هذه الأزمة تتطلب إعادة تنظيم تدفقات السلع وتعزيز الرقابة وتوجيه الموارد نحو السلع الأساسية، بما يضمن تحقيق حد أدنى من التوازن والاستقرار في السوق.
مقال: أزمة هيكلية في غزة تتجاوز تقلبات الأسعار
أحمد أبو قمر