بدأت الفكرة مع الشاب الفلسطيني عمر حمد، حين قرر أن يبحث في الركام عمّا لم يعد أحد يلتفت إليه: الكتب. لم يكن ذلك بدافع الهواية، بل استجابةً مباشرة لمشهدٍ يتكرر في غزة؛ مكتبات تُقصف، رفوف تتناثر، وصفحات تضيع بين الغبار والنار.
من بين هذا الدمار، بدأ بجمع ما يمكن إنقاذه. كتابٌ من هنا، وآخر من هناك، حتى تحولت المحاولة الفردية إلى مشروع واضح: إعادة بناء مكتبة من الكتب التي كادت تُفقد. هكذا وُلدت “مكتبة العنقاء”، التي حملت اسمها من فكرة النهوض من الرماد.
خلال فترة قصيرة، تمكن حمد ومن معه من جمع ما يقارب 2000 كتاب في البداية، قبل أن يتوسع العدد ليصل إلى نحو 6000 كتاب، أكثر من نصفها أُخرج فعليًا من تحت الأنقاض. هذا الرقم، رغم بساطته، يعكس حجم الفاقد الأكبر؛ إذ تشير تقديرات إلى أن أكثر من 240 ألف كتاب ومرجع جامعي دُمّرت في قطاع غزة خلال الحرب، إلى جانب تدمير مكتبات عامة وخاصة كانت تضم عشرات آلاف العناوين.
ولم يقتصر الضرر على الكتب الحديثة، بل طال أيضًا مواد نادرة، حيث لم يتبقَّ من بعض المخطوطات التاريخية سوى عشرات النسخ فقط بعد أن كانت تُعد بالمئات. وفي ظل نقص الوقود، تحولت بعض الكتب في أماكن أخرى إلى وسيلة بديلة للطهي، ما جعل إنقاذها سباقًا مع الزمن، ليس فقط ضد الدمار، بل ضد الحاجة.
في هذا السياق، لم تعد “مكتبة العنقاء” مجرد مكان لتجميع الكتب، بل محاولة لإعادة بناء ما تآكل من البنية الثقافية. فمع تعطل المدارس والجامعات، ووجود آلاف الطلبة خارج العملية التعليمية، أصبحت هذه المكتبة مساحة بديلة، توفر مواد تعليمية وتفتح بابًا للقراءة في واقعٍ يكاد يخلو من ذلك.
كما تحولت إلى نقطة جذب للأطفال والنازحين، في بيئة تفتقر إلى أي مساحات آمنة أو أنشطة بديلة. وبينما تُقدّر أعداد النازحين في غزة بمئات الآلاف، تبرز مثل هذه المبادرات كمساحات محدودة لكنها مؤثرة، تتيح استعادة جزء من الحياة اليومية.
ورغم غياب الإمكانيات الأساسية—من كهرباء مستقرة إلى وسائل حفظ مناسبة—تستمر المبادرة. فعملية جمع الكتب لا تزال جارية، في ظل ظروف ميدانية معقدة، لكنها تعكس إصرارًا على الحفاظ على ما يمكن إنقاذه.
في غزة، حيث تُقاس الخسائر غالبًا بالأرقام الكبيرة—آلاف الضحايا، مئات آلاف الجرحى، ونسب دمار تتجاوز 90% من البنية التحتية في بعض القطاعات—تقدم “مكتبة العنقاء” رقمًا من نوعٍ آخر: 6000 كتاب تم إنقاذها.
مكتبة “العنقاء” في غزة: 6000 كتاب تُستعاد من بين الركام
الرسالة نت - متابعة