قائمة الموقع

أبادونا .. ويريدون أن نصافحهم

2026-05-01T14:54:00+03:00
علاء شمالي

 

عقد كونغرس فيفا، في قاعة أنيقة تُرفع فيها شعارات “اللعب النظيف” و“الوحدة عبر الرياضة”، بدا كل شيء كما يجب أن يكون: وفود تتبادل الابتسامات، عدسات تلتقط اللحظات، وبروتوكول يُدار بدقة تُخفي ما وراءه.

لكن ما لا تلتقطه الكاميرات عادة، كان حاضرًا هذه المرة في لحظة انقلب فيها السحر على الساحر.

المشهد لم يكن خلف الكواليس، بل صُنع أمام العالم. رئيس FIFA جياني إنفانتينو تعمّد أن يجمع رئيسي الاتحادين، الفلسطيني والإسرائيلي، في لقطة أراد لها أن تختصر “رسالة سلام”. دعوة للتقدّم، وقوف متجاور، ويدٌ يُفترض أن تُمدّ في اللحظة المناسبة.

كل شيء كان مُعدًّا، إلا الذاكرة، حين ألح إنفانتينو على رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم من أجل السلام على ممثل الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، لم يكن الأمر مجرد مصافحة عابرة، بل محاولة لالتقاط صورة تُغلق ملفًا مفتوحًا. صورة تقول إن الرياضة قادرة على تجاوز كل شيء، حتى ما لم يُحاسب عليه أحد.

لكن اليد الأخرى لم تتحرّك، رفض جبريل الرجوب أن يُكمل المشهد كما كُتب له. لم يكن رفضًا لشخص بقدر ما كان رفضًا لفكرة: أن يُطلب من الضحية أن تتصرّف وكأن شيئًا لم يكن، فقط لأن الكاميرات تعمل، ولأن العالم يُفضّل صورة هادئة على حقيقة مزعجة.

ثم جاءت اللحظة التي كسرت الإخراج بالكامل نزل الرحوب وغادر وهو يردد أمام العالم “Free, Free Palestine".

هكذا اختار الرجوب أن يُنهي اللقطة. لا بمصافحة، بل بصوت. لا بابتسامة، بل برسالة. عبارة واحدة، لكنها كانت كافية لتعيد تعريف المشهد: من صورة سلام مُعلّبة، إلى موقف سياسي حيّ، يُقال على مرأى الجميع.

هنا، تسقط المسافة بين الرياضة والواقع.
مصافحة .. على ماذا تحديدًا؟
على دماء آلاف الرياضيين؟
أم على أنقاض عشرات الملاعب التي لم تعد تصلح حتى لركلة بداية؟
أم على أحلام آلاف الأطفال الذين حُرموا من أبسط حق: أن يركضوا خلف كرة؟

أي سلام هذا الذي يُطلب أن يبدأ من صورة .. لا من حقيقة ولا حتى في اعادة الحقوق ولا لجم الاحتلال ولا حتى عقوبته؟.

في قاعة فيفا، قد تبدو المصافحة تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، لكنها هنا كانت اختبارًا لمعنى العدالة نفسه. 

وحين رُفضت، لم يكن ذلك خروجًا عن النص، بل ربما كان النص الحقيقي الذي لم يُكتب.

قد تبدو الفكرة بسيطة في ذهن جياني إنفانتينو: لقطة تختصر “السلام”، لكن خارج الكاميرا، هناك واقع لا تختصره يدان تلتقيان.

ليس قبل أن تتحمّل FIFA مسؤولياتها كاملة، وتُخضع الجميع للمعايير ذاتها، دون استثناء أو انتقائية.
فالعالم شاهد كيف اتُّخذت قرارات حاسمة بحق روسيا في ظرفٍ قياسي، حين تعلّق الأمر بانتهاك القواعد.

أما هنا، فالمعايير تبدو قابلة للتأجيل، أو لإعادة التفسير، وعلى فرض أن تلك القرارات اتُّخذت يومًا، هل تكفي؟
هل يمكن لمصافحة، أو حتى لعقوبة، أن تُعيد ما فُقد؟

الحقيقة أن السلام الذي يُراد تسويقه داخل القاعات المغلقة، ليس هو السلام الذي يُبنى على الأرض. وما يُطلب اليوم ليس صورة، ولا مصافحة، بل عدالة واضحة تُعرّف الأشياء بأسمائها أولًا.

لذلك، حتى لو تغيّرت القرارات، لن يكون السلام كما يُراد له أن يبدو في الكاميرات، لأن ما كُسر في الواقع، لا يُرمّم بلقطة. 

هناك شيء مقلق بشدة في رؤية مثل هذا الرعب يُختزل إلى مجرد مظاهر بصرية.

اخبار ذات صلة