قائمة الموقع

كيف أعادت الحرب تشكيل شبكات التخابر في غزة؟

2026-04-28T17:00:00+03:00
الرسالة نت- متابعة

لم يعد التخابر في سياق الحروب المعاصرة مجرد جريمة فردية تُختزل في نقل المعلومات، بل بات ظاهرة مركبة تنشأ عند تقاطع الضغوط الأمنية والاقتصادية مع هشاشة البنية الاجتماعية وقابلية الفرد للاختراق، ولا يظهر التخابر كفعل مفاجئ أو معزول، بل كمسار تدريجي يمكن أن يتحول فيه الفرد _تحت شروط معينة_ من موقعه داخل المجتمع إلى أداة تعمل من داخله ضده.

هذا التحول يعكس تطورًا في طبيعة التخابر ذاته، إذ لم يعد مقتصرًا على دور تقليدي محدود، بل أصبح شكلًا من أشكال الاندماج الجزئي في منظومة معادية، تتداخل فيه الأدوار وتتشابك المصالح، ويغدو فيه الفاعل جزءًا من شبكة أوسع تتجاوز حدوده الفردية. ومن هنا، يبرز التخابر بوصفه تحديًا لا يتعلق بالأمن فقط، بل بقدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه ومناعته في مواجهة الاختراق، كل ذلك جاء في دارسة أعدها الباحث ضياء نعيم الصفدي من موضوع التخابر في دراسته الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

كيف عرفت الدراسة التخابر؟

تتناول الدراسة التخابر بوصفه ظاهرة تتجاوز كونه جريمة قانونية، لتضعه ضمن سياق أوسع يجمع بين بيئة الحرب الضاغطة، وهشاشة المجتمع، وقابلية الفرد للاختراق. ووفق هذا الطرح، لم يعد التخابر مجرد نقل معلومات، بل تحول إلى شكل من أشكال الاندماج الجزئي في منظومة العدو، حيث يصبح الفرد جزءًا من شبكة أوسع تتداخل فيها الأدوار والوظائف.

كما تعرّف الدراسة التخابر على أنه علاقة تواصل واعٍ ومقصود بين فرد وجهة معادية، تهدف إلى تمكين هذه الجهة من تحقيق أهدافها أو الإضرار بالمجتمع، وهو تعريف يركز على القصد والاستمرارية، ويحوّل التخابر من “فعل عابر” إلى “دور ممتد” داخل بنية منظمة.

تحولات التخابر خلال الحرب

تشير الدراسة إلى أن الحرب الأخيرة على غزة دفعت التخابر إلى مستويات أكثر خطورة، إذ لم يعد مقتصرًا على تزويد الاحتلال بالمعلومات، بل تطور في بعض الحالات إلى مشاركة ميدانية غير مباشرة، تشمل رصد التحركات، وتحديد الأهداف، والمساهمة في توجيه الضربات.

هذا التحول يعكس انتقال التخابر من اختراق أفقي عبر قنوات الاتصال، إلى اختراق عمودي يمس بنية الفعل الميداني ذاته.

عوامل الانضمام إلى شبكات التخابر والعصابات المسلحة

تفكك الدراسة الدوافع التي تقود الأفراد إلى التورط، وتؤكد أنها لا تعود إلى سبب واحد، بل إلى تفاعل معقد بين عدة عوامل:

• العامل الاقتصادي:الفقر والبطالة يشكلان مدخلًا مهمًا، حيث يفتحان الباب أمام الإغراء المالي، ويجعلان العروض المقدمة تبدو كفرص في بيئة محدودة الخيارات. ومع ذلك، لا يُعد المال سببًا كافيًا بحد ذاته، بل غالبًا ما يكون بوابة أولى. 

• التحول من الاضطرار إلى “الصفقة”:في بعض الحالات، ينتقل الفرد من الاستجابة للحاجة إلى الدخول في علاقة تبادلية واعية، يرى فيها نفسه فاعلًا يختار، لا مجرد ضحية للظروف. هذه النقلة تمنح الظاهرة بعدًا أكثر خطورة، لأنها تقوم على حسابات عقلانية وتبرير داخلي. 

• العوامل النفسية:الإحباط، والشعور بالعجز، والرغبة في الانتقام، قد تدفع الفرد للبحث عن دور بديل يمنحه شعورًا بالقوة أو التعويض، ما يجعله أكثر قابلية للاستقطاب. 

• العوامل الاجتماعية:التفكك الأسري، وضعف الروابط الاجتماعية، والعزلة، تقلل من مناعة الفرد، وتزيد من احتمالية اختراقه. 

• ضعف الوعي:غياب الوعي المعرفي والسياسي والديني يخلق فراغًا يمكن أن تملأه روايات مضللة، بينما يشكل الوازع الديني والوطني عامل حماية مهمًا يحد من الانزلاق نحو التخابر. 

طبيعة الشبكات والتنظيمات المتورطة

تكشف الدراسة أن التخابر لم يعد سلوكًا فرديًا معزولًا، بل بات يأخذ شكل شبكات منظمة تعمل ضمن نطاقات جغرافية محددة، وتؤدي أدوارًا متنوعة تشمل:

• الرصد الميداني للتحركات 

• جمع المعلومات الدقيقة من داخل البيئة المحلية 

• نقل البيانات وتحويلها إلى معلومات قابلة للاستخدام العملياتي 

• الاندماج داخل النسيج الاجتماعي لتسهيل التخفي 

هذا التنظيم يعكس تطورًا في بنية التخابر، وانتقاله إلى مستوى أكثر تعقيدًا وتأثيرًا.

ولا يقتصر خطر التخابر على الأضرار الأمنية المباشرة، بل يمتد إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، عبر نشر الشك وإضعاف الثقة بين الأفراد.

هذا الأثر العميق يجعل المجتمع أقل قدرة على التماسك، وأكثر عرضة للتفكك، وهو ما يمثل هدفًا استراتيجيًا يتجاوز نتائج العمليات العسكرية المباشرة.

تخلص الدراسة إلى أن مواجهة التخابر لا يمكن أن تقتصر على المعالجة القانونية أو الأمنية، رغم أهميتها، بل تتطلب بناء مناعة مجتمعية شاملة، تقوم على تعزيز الوعي، وترميم الروابط الاجتماعية، وتقوية الانتماء.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00