قائمة الموقع

الاقتراع تحت النار: رسائل سياسية تتجاوز حدود البلديات

2026-04-26T15:05:00+03:00
الرسالة نت - خاص

في لحظة سياسية شديدة التعقيد، عادت الانتخابات المحلية الفلسطينية في 25 أبريل 2026 لتفرض نفسها كحدث يتجاوز الإطار الخدمي الضيق، متقدمة بوصفها اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على إعادة إنتاج ذاته، وترميم الواقع عبر أدوات ديمقراطية محدودة لكنها ذات دلالات هامة.
 صندوق الاقتراع في الحالة الفلسطينية أكثر من مجرد أداة انتخابية؛ إنه تعبير عن صمود مجتمع يسعى للحفاظ على تماسكه، وإعادة تعريف نضاله بأدوات متعددة، في واقع لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات.
لم تعد الانتخابات المحلية مجرد آلية لاختيار مجالس بلدية، بل تحولت –وفق الخطاب الرسمي والإعلامي– إلى رمز للصمود المدني عبر عدة رسائل أهمها:
أولا: إعادة تعريف صندوق الاقتراع كأداة مقاومة سلمية يعكس تحولًا في مقاربة الصراع، حيث يجري توظيف الممارسة الديمقراطية كجزء من المواجهة السياسية، وليس فقط كإجراء إداري داخلي.
هذا التحول يكتسب أهمية خاصة في ظل غياب الانتخابات التشريعية والرئاسية منذ ما يقارب عقدين، ما يجعل من هذا الاستحقاق محاولة جزئية لملء فراغ سياسي طويل، وإعادة تحريك المياه الراكدة في بنية النظام السياسي الفلسطيني.
ثانيا: أحد أبرز أبعاد هذه الانتخابات تمثل في تنظيمها بالتزامن بين الضفة الغربية ومدينة دير البلح وسط قطاع غزة، رغم الانقسام السياسي والواقع الميداني المعقد خاصة بعد حرب الإبادة الجماعية المدمرة التي استمرت عامين في القطاع.
هذه الخطوة حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن وحدة الأرض والشعب لا تزال ممكنة، حتى وإن كانت عبر نافذة انتخابية محدودة.
ثالثا: إجراء الانتخابات في دير البلح تحديدًا، ولأول مرة منذ أكثر من عقدين، لم يكن تفصيلًا تقنيًا، بل مؤشرًا على محاولة كسر حالة الفصل الجغرافي والسياسي، وفتح الباب أمام سيناريوهات أوسع لإعادة توحيد المسار الانتخابي الفلسطيني مستقبلاً.
ورغم أن المشاركة في دير البلح لم تتجاوز نحو 23%، إلا أن الحدث بحد ذاته عكس إمكانية استعادة العملية الديمقراطية في قطاع غزة، ولو بشكل تدريجي.
فالتجربة، على محدوديتها، تحمل إشارات سياسية وإنسانية مهمة، خاصة في ظل واقع الحرب والنزوح، حيث باتت الأولويات المعيشية تتقدم على الانخراط السياسي.
كما أن اختيار دير البلح –بوصفها الأقل تضررًا والأكثر استيعابًا للنازحين– يعكس بعدًا عمليًا، إذ تحولت المدينة إلى مركز إداري وإنساني يحتاج إلى إدارة محلية فاعلة قادرة على التعامل مع أزمات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية.
رابعا: ضعف المشاركة حيث أن النسب المتباينة بين الضفة الغربية (نحو 56%) وقطاع غزة (نحو 23%) يكشف عن فجوة عميقة في المزاج الشعبي.
في غزة، فرضت الحرب والإنهاك الاقتصادي أولويات مختلفة، حيث تنافست طوابير الخبز والماء مع صناديق الاقتراع، ما انعكس مباشرة على نسبة الإقبال.
في المقابل، حافظت الضفة الغربية على نسب مشاركة قريبة من المعدلات السابقة، رغم التحديات الأمنية المتمثلة في الحواجز والإغلاقات والاعتقالات، ما يعكس تمسكًا نسبيًا بالممارسة الديمقراطية كوسيلة للتعبير السياسي.
خامساً: التزكية الواسعة وغياب التنافس حيث  أظهرت النتائج الأولية فوز 197 هيئة محلية بالتزكية، وهو رقم مرتفع يطرح تساؤلات حول طبيعة التنافس السياسي، ومدى حيوية الحياة الحزبية.
فهذا النمط من النتائج يعكس إما توافقات محلية مسبقة، أو حالة من العزوف السياسي، أو حتى رغبة الفصائل الكبرى في التراجع خطوة للخلف وترك المجال لقوائم مستقلة ومهنية.
سادسا: تقدم القوائم المستقلة كان من الظواهر اللافتة في هذه الانتخابات مع غياب الحضور المباشر لبعض القوى السياسية الكبرى، وهذا التوجه يبدو مدفوعًا برغبة في “جس نبض الشارع”، وتخفيف الحساسية الدولية تجاه التعامل مع هيئات محلية ذات طابع فصائلي، بما يسهل تدفق الدعم الخارجي وتحسين الخدمات.
في المحصلة، لا يمكن قراءة الانتخابات المحلية 2026 بمعزل عن السياق السياسي العام. فهي ليست حلًا للأزمة البنيوية التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، لكنها تمثل محاولة لإعادة بناء الثقة، وتفعيل أدوات ديمقراطية طال تعطيلها.
وبينما تبقى القضايا الكبرى –كالانقسام والاحتلال والشرعية– خارج نطاق هذه الانتخابات، إلا أنها تشكل مؤشرًا على إمكانية استعادة المسار الديمقراطي، ولو تدريجيًا، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والظروف المناسبة.

اخبار ذات صلة